علاء عوض

اِقرأ المزيد...
 

 

اِقرأ المزيد...
 

 

اِقرأ المزيد...
 

 

اِقرأ المزيد...
 

 

 

كورش مدرسي

اِقرأ المزيد...
 

 

 

نادية محمود
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

اِقرأ المزيد...
 

 

سمير عادل

الانتفاضة التونسية التي اشعلت فتيل الانتفاضة المصرية ثم فتيل سلسلة الاحتجاجات والتظاهرات في الاردن اليمن والجزائر والسودان.. اشاعت رعبا يخيم كالكابوس على الولايات المتحدة الامريكية والغرب برمته. ولا يستثنى ابدا الهلع الذي اصاب الجمهورية الاسلامية في ايران حيث اغلقت المواقع الاجتماعية مثل (فيسبوك وتويتر) على الرغم من التصريحات المستفزة للغرب من قبل مسؤوليها بتعليقهم على الانتفاضتين المذكورتين واخرها كان على لسان وزارة خارجيتها بأنه سيكون شرق اوسط اسلامي.

ان المصالح السياسية والاقتصادية للغرب تتعرض الى اكبر عاصفة خلال اقل من نصف عقد بعد الازمة الاقتصادية العالمية. الاحتجاجات الجماهيرية العريضة التي اصبحت تطيح بالانظمة القومية العربية الفاسدة المدعومة من الغرب هي نتاج السياسة الاقتصادية لليبرالية الجديدة التي بشر بها فقهاء مدرسة شيكاعو الاقتصادية والصندوق النقد الدولي والبنك الدولي المرتبطة بالشركات واصحاب الرساميل الضخمة. فأذا فشلت تلك السياسة في الغرب لتنتج عنها سياسة التقشف والهجمة على المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية للعمال والطلاب والنساء والاطفال كما نراها في بريطانيا وبرتغال وايرلندا وفرنسا..فان الفشل نفسه انفجر كالقنبلة في تونس ومصر والاردن واليمن والمغرب والجزائر التي لم تبين الى الان الحصيلة النهائية لحجم الخسائر التي سجلتها او التي ستسجلها. ولا بد الاشارة بأن السياسة الاقتصادية لليبرالية الجديدة التي تستند على السوق الحرة وحرية حركة الرساميل والغاء الانفاق الاجتماعي وتنصل الدولة من كل مسؤولية تجاه مواطنيها وتجميد الاجور في مستوى متدني جدا وظروف عمل قاسية ورفع الضرائب على الدخول المحدودة مقابل الغائها على اصحاب الشركات والرؤوس الاموال الكبيرة... لم تكن لتنجح في البلدان الموالية والمدعومة من الغرب دون قمع منظم وخنق للحريات وفتح عشرات السجون والمعتقلات وسن قوانين الطوارئ، ودون جهاز بوليسي كبير يستنزف جزء لا يستهان من الدخل القومي مثلما حدث في الخمسينات والستينات والسبعينات في الارجنتين وتشيلي وبوليفيا والبرازيل والارغواي.. وان تونس ومصر والبدان التي اجتاحتها سلسلة الاحتجاجات هو احدى حقول التجارب لتلك السياسة في الشرق، فعلى سبيل المثال لا الحصر فأن عدد اعضاء جهاز الامن القمعي التابع للنظام المصري وصل الى مليون 400 الف شخص اي رجل امن لكل 150 شخص في مقابل 130 الف رجل امن يملكه الجهاز القمعي في تونس، اي رجل امن لكل 130 شخص، تلك السياسة القذرة عملت على تهشيم عظام الجماهير خلال العقود المنصرمة من الزمن.
*****
ان الذي يرعب الادارة الامريكية واسرائيل بالدرجة الاولى من الانتفاضة المصرية، بأن جميع التيارات والقوى والاطراف السياسية التي تعارض النظام المصري هي معادية لسياسة الادراة الامريكية واسرائيل. وان مرحلة ما بعد 25 كانون الثاني هي مرحلة اخرى بكل المقاييس ولن تعاد عقارب الساعة الى الوراء حتى ولو لثواني قليلة. ان محاولات الادارة الامريكية الاخيرة لحيلولة دون انهيار النظام، وخاصة في اليوم التاسع للانتفاضة هي الاطاحة برأس النظام حسني مبارك وايجاد (محمد غنوشي) مصر والذي قد يكون عمر سليمان او احد قادة الجيش المصري الذي يقبض الرشاوى المهولة حيث تبلغ قيمتها مليار و300 مليون دولار سنويا منذ التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد تحت عنوان المساعدة العسكرية، وان كل ما تحاول بها الادارة الامريكية والاتحاد الاوربي هو انقاذ ما يمكن انقاذه من مصالح ونفوذ لها. ولذلك جاء خطاب اوباما داعما للشباب المنتفضين، وتهديدات كلينتون وموفد الادارة الامريكية الى حسني مبارك وتصريح الناطق الرسمي للبيت الابيض خلى حتى من الدبلوماسية عندما صبت جميعها بمخاطبة مبارك بالتنحي فورا من كرسي الرئاسة! الا ان كلا من محمد غنوشي وكذلك عمر سليمان لن يتمكنا من ادامة السياسة القديمة لنظامهما على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

*****
تصريحات المسؤولين في الجمهورية الاسلامية مثل احمدي نجاد الذي قال عن الانتفاضة التونسية بأن الشعب التونسي يريد تطبيق القوانين والاحكام الاسلامية و في الخارجية الايرانية علقوا على الانتفاضة المصرية بأنه سيولد شرق اوسطي اسلامي، هي تصريحات تخفي في طياتها الفزع من ما ستجلبها الشرارة التي اشعلت في تونس على الجمهورية الاسلامية، ومحاولة لطمس حالة الغليان في الشارع الايراني. وهنا يجب الاشارة الى نقطنين اولهما: ما يبعث القلق في صفوف ملالي والمسؤولين في طهران هو سقف مطالب الانتفاضة التونسية والمصرية التي تدور حول اسقاط الدكتاتورية واطلاق الحريات والعدالة الاجتماعية. وان هذه المطالب هي نفس مطالب الملايين من الجماهير الايرانية التي تتعرض الى افقار يومي وقمع منظم للحيلولة دون اندلاع اية حركة احتجاجية. ويكفي تذكر قرار الغاء الدعم على الوقود والسلع الاساسية قبل قترة قصيرة الذي قال احمدي نجاد مدافعا عنه، بأنه يوفر اكثر من 90 مليار دولار سنويا من الدخل القومي وحيث زامن القرار نزول قوات الحرس الثوري الى جميع مرافق المجتمع تحسبا لاي تحرك جماهيري ضد القرار المذكور. وثانيهما: غياب الافق والرؤية الواضحة للتيارات الاسلامية وظهورهم كتيارات هامشية في الانتفاضتين المذكورتين، والتي كان من الممكن لو كان لهم دورا اساسيا حيث سأتطرق اليها لاحقا، لبعث الامل ودفع الدم في عروق الجمهورية الاسلامية التي لا تختلف اوضاعها الاقتصادية والسياسية عن اوضاع نظام (بن علي) في تونس او (نظام البلطجية) في مصر، ولما قطعت الانترنيت اوغلقت المواقع الاجتماعية على الانترنيت كخطوة استباقية كما ذكرنا. بعبارة اخرى ليس مطروحا ابدا جمهورية او امارة اسلامية جديدة.
*****
وفي هذا السياق يجب فضح تصريحات الادارة الامريكية والاقلام المأجورة للغرب بأن هناك خوف من الانتفاضة المصرية حيث ستنتج عنها صعود الاسلاميين. ان هذه التصريحات والترويج لها هي محاولات للالتفاف على الانتفاضة المصرية واجهاضها من خلال المحافظة على النظام الذي يترنح تحت ضربات الانتفاضة الجماهيرية. وكانت نفس هذه التصريحات هي المبرر الذي استخدمه نظام حسني مبارك لاقناع الغرب في ممارسة قمعه للجماهير في مصر او كما هو الحال في نظام بوتفليقة في الجزائر. ان النظام المصري الذي عرف يوما بتحويل القاهرة الى منطقة حرة بقيادة السفير الامريكي حينذاك في تصدير الاسلاميين المتطوعين الى افغانستان لمحاربة الاتحاد السوفيتي في بداية الثمانينات من القرن الماضي، يلوح الغرب اليوم بكل صلافة بأن الاسلاميين بعد انهيار النظام المصري سيستولون على السلطة لتبرير دعمهم ومساندتهم لاكثر الانظمة قمعية وفسادا. لكن من يراقب هذه الانتفاضة سوى كانت التونسية او المصرية، فأن قادتها الحقيقييون اما يسار او قريبون من اليسار وان مطالبهم وشعاراتهم هي مطالب وشعارات يسارية. اما المعارضة المصرية التقليدية التي تمثل التيار القومي مثل الوفد والناصريين الذي جرب حظه من قبل في السلطة ولم يكتب له النجاح، يلهثون وراء الاحداث وليس لديهم اي افق او رؤية سياسية وهم مشتتون اكثر من ما متفقون حتى في صفوف الحزب الواحد وان الحماقات السياسية للنظام الحاكم هي وراء استمرارهم والحيلولة دون غيابهم عن الاحداث والتطورات السياسية. اما الاسلامييون المتمثلون بجماعة اخوان المسلمين فأن بوصلتها ضائعة اكثر من زملائهم في المعارضة المذكورة مع اختفاء شعاراتهم التي كانت ابرزها (الاسلام هو الحل) في انتخابات 2005، ويصح نفس الشيء بالنسبة للاسلاميين في تونس، وكلاهما عائمين على سطح الاحداث. وما اظهرتها الانتفاضة المصرية هي اشعال شرارتها احدى عشر حركة ابرزها حركة شباب 6 ابريل، تتراوح اتجاهاتها بين اليسار والوسط، وحتى الامعان في شكل الاحتجاجات التي تخللها التظاهرة المليونية في ميدان التحرير في القاهرة من موسيقى واناشيد واغاني بما فيها اغاني (شيخ امام) الشيوعي المعروف تظهر لك محتوى القوى المحركة لهذه الانتفاضة. والمفارقة في الامر ايضا بأن حتى قناة فضائية مثل (الجزيرة) الناطقة بأسم الاسلام السياسي السني وضعت اغنية (لشيخ امام) الشيوعي المصري في مقدمة برامجها عند تغطيتها للانتفاضة المصرية.

وعلى ضوء احداث الانتفاضة التونسية والمصرية والاحتجاجات التي دفع ملك الاردن من اقالة الحكومة التي لم تمضي على تشكيلها الا فترة قصيرة جدا وسلسلة الاحتجاجات الاخرى في عدة بلدان، يكشف ما تخبئها المرحلة القادمة بأن طلوع فجر جديد لشرق اوسط جديد ليس امريكيا كما بشرت بها ادارة بوش ولا حتى اسلاميا مثلما ادعى مسؤولين في وزارة الخارجية للجمهورية الاسلامية. انه مرحلة اخرى التي ستغير معالم المنطقة والعالم وستعيد الاصطفافات السياسية، انه شرق اوسط يساري جديد بأمتياز.

 

 

سامان كريم

" أن ثورة القرن التاسع عشر الاجتماعية لا يسعها أن تستمد أشعارها من الماضي بل من المستقبل فحسب. أنها لا تستطيع أن تبدأ بتنفيذ مهمتها قبل أن تقضي على كل احترام خرافي للماضي. لقد كانت الثورات السابقة في حاجة إلى استعادة ذكريات ما مضى من حوادث تاريخ العالم لكي تخدع نفسها بشأن محتواها هي بالذات. أما ثورة القرن التاسع عشر فكان يترتب عليها لكي تستوضح لنفسها محتواها الخاص أن تدع الموتى يدفنون موتاهم. هناك كانت الجملة تتعدّى المحتوى وهنا كان المحتوى يتعدى الجملة.(ماركس/ الثامن عشر من برومير لويس بونابرت-ص8).

ان سقوط القذافي كديكتاتور للطبقة البرجوازية العربية في ليبيا، دكتاتور فردي سافر، هو امر مبعث فرح للجميع، وبهجة لجميع الليبيين، ولكل من يدق قلبه لسقوط الانظمة الرجعية القومية في العالم العربي او اينما كانوا. لكن في ظل الظرف الليبي هذا، فانه ليس القضية الرئيسية. لان الثورة الليبية الراهنة التي توجت بالنصر بفعل طائرات الفانتوم والميراج والصواريخ المتطورة، بقيادة الناتو، حلف الشر العالمي، كان هدفها تغيير دكتاتور فردي بدكتاتور جمعي، تغيير "شكل الحكومة". هذا هو هدف ناتو والدول الكبرى، الهدف الذي يتطابق مع التوجهات العامة للحركات المشاركة في "الثورة" بصورة عامة من الحركات الأسلامية المقاتلة الى الاسلاميين الاخوانيين والى التيارات القومية والملكية المعارضة، وحتى توجهات شباب ليبيا. ان الذي سقط القذافي، هو اتحاد الناتو مع "الجماهير" الليبية، لان الجانبين يبتغون التغيير وسقوط القذافي. 

ان هدف جماهير ليبيا من السقوط كان واضحاً، انها تهدف الى التغيير وليس تغيير الشكل، بل التغيير بمعنى تحسين الامور المعيشية و الحريات والحقوق السياسية، تغيير لصالحها، لتوفير الحريات السياسية والمدنية. ان هذه الاهداف، كلها، اهداف ثورية راقية وخصوصا في بلد مثل ليبيا و في ظل دكتاتور قومي ذو ثقافة و تقاليد قبلية. المشكلة تكمن في ان هذه الاهداف اقترنت، وعجنت باهداف الناتو في ظل الوضع الدولي الراهن، حيث امتزجت العمليتين، كانها خلقت لتكون حركة واحدة. بهذا الاندماج والامتزاج فقدت الثورة بريقها، وافرغت من محتواها، بفعل الضربات الجوية وبفعل المؤسسات والسياسات التي اعدت مسبقاً لتأطير الحركة بكاملها لصالح الناتو والقوى الغربية المشاركة في الحملة. ان اهداف الناتو واضحة ايضا، وهي سياسية على الصعيد العالمي.

انها منافسة القوى الكبرى عالمياً، انها منافسة بين امريكا والغرب من جانب وبالتحديد امريكا و فرنسا من جانب و روسيا والصين من جانب اخر، منافسة وصراع شرس على تقسيم العالم مجدداً. ليس لدى الغرب وامريكا في هذه المرحلة روح الا الناتو، المنظمة التي فقدت اسس بقائها، لكنها وجدت ضالتها في ليبيا ليتسنى لها البقاء ولو لفترة اخرى. ولان ليس بامكان القوى الغربية ولا امريكا وحدها ان تنخرط في هذه المواجهات لوحدها، اصبح الناتو مرة اخرى ولدهم المدلل. سجلت قوى الغربية نقطة لصالحها بسقوط القذافي، لصالحها على الصعيد العالمي، بوجه روسيا والصين، حيث كانت ليبيا في زمن القذافي في اطار النفوذ الروسي و الصيني. لكن هذه ليست القضية كلها. يترتب على هذا الامر قضايا مهمة، منها "اعادة الاعمار" والمحافظة على عقود النفط، في ظل الفوضى العارمة أو"الازمة البناءة" وفق راي الليبراليين الجدد. انهم يدمرون البنية التحيتة ودمروها بالكامل لـ"اعادة اعمارها"، وارسال شركاتهم العالمية لنهب ثروات المجتمع الليبي، وهو ما حصل في العراق وغيره. ان المؤتمر الذي جرى في اسطنبول او الذي سيعقد في الخليح، هي خطوات لتوزيع حصص العقود هذه. ان هذا هو الهدف الفوري والسريع، الذي سكبت من اجله الدماء، لكن ايضا هناك اقتصاد السوق وخصصة كل ميادين الحياة الاجتماعية، بما فيها الماء والكهرباء.... المنافسة شديدة بين الشركات الغربية للحصول على العقود النفطية والبنية التحتية، بدات المنافسة كعادتهم قبل سقوط القذافي. من جانب اخر، الصين مستعدة ايضا لـ"اعادة الاعمار"، هذا المفهوم الاقتصادي الذي ينزف من اجله الدم لا غيره، وهو مفهوم اجوف مليئة بالاكاذيب والخداع والنفاق والفساد. 

ان" الثورة" الليبية، وهي فعلا بهذا المعنى لديها مميزات وخصوصيات محددة، هي فعلا مهدت الارض لتهيئة وبناء الدولة للطبقة البرجوازية الليبية، وفق حكم دكتاتورية الطبقة البرجوازية، "التعددية السياسية"، وتجاوزها للدكتاتورية الفردية لديكتاتورية الطبقة. هذا هو عنوان الثورة قبل ان تتمخض عنها نتائجها الملموسة بعد. بيد ان القضية الرئيسية للجماهير في العالم العربي و ليبيا ليس تغير دكتاتور فردي بدكتاتور جماعي، ليس هدفها تداول السلطة بين الاحزاب البرجوازية المختلفة، بل القضية تتعلق فعلا بمعيشتها وحريتها، تتعلق بشئ اخر تماماً. هذا ما تؤكده الثورة المصرية بامتياز، حيث سقط مبارك مبكراً، لكن القضية ليست تغيير الوجوه، تغير دكتاتورية فردية بمجلس عسكري او بدكتاتورية طبقية يشارك فيها الحزب الوطني،" اقصد الاحزاب القومية العربية"، مع الاخوان المسلمين والعساكر مع صف من البلطيجية السابقة، ومع وجوه جديدة ترقص على انغام "الديمقراطية"، بل كانت قضية جماهير مصر وعمالها، كما في تونس هي الخبز والحرية، وعليه ان الأوضاع الثورية مستمرة باشكال مختلفة. حيث نزل العمال الى الشارع و انتفضوا في المصانع، هي بداية طبيعية لثورة تثلج الصدور، لثورة بامكاننا ان نصفق لها بحرارة. لان ثورة مثل هذه هي المقصد والهدف، اذ بها نتجاوز الفقر و العوز والظلم والاستبداد بكافة اشكاله المختلفة. 

ان وضع المجتمع الليبي والطبقة العاملة ومستقبلهما امام مفترق طرق، وهو مفترق صعب وخطير في الوقت نفسه. مفترق صعب لان سلب منه الاختيار، الاختيار يعني الارادة والقرار. سلبه الناتو والمجلس الوطني، حيث ان تدخل الناتو يعني سلب القرار و الارادة من الجماهير التي انتفضت في ليبيا. وعليه اصبح الاختيار اصعب بكثير، بين السير قدماً مع الناتو والمجلس الوطني، او فصل الطريق عنهما، فصل الطريق عن الحركات الأسلامية و القومية السائدة في ثورة ليبيا. اذا الثورة الليبية تمضي قدماً مع الحالة الراهنة، حركة عجينة مع الناتو وكافة التيارات البرجوازية الاسلامية والقومية، حينذاك ان احدى الاحتمالات الممكنة والقوية حسب الوضع السياسي وطبيعة القوى السائدة فيها، هي انفلات الوضع الامني، والاقتتال الداخلي، ربما سنشهد الحالة العراقية، السيناريو الاسود، هذه هي احدة الاحتمالات الممكنة، في ظل توجه "الثورة" لحد هذه اللحظة. اذا ارادت الطبقة العاملة والجماهير الداعية للحرية والمساواة ان تتطابق ثورتها مع تطلعات الانسان في القرن الحادي والعشرين، اذا تهدف الى تجاوز الخرافات الماضية من القبيلة والعشيرة و والقومية و الخرافات الاخرى، اذا ارادت ان تكون ضامناً لقوت الجماهير وحرياتها، عليها ان تقطع صلتها بالناتو و المجلس الوطني الحاكم، وتشكل صفها الثوري المستقل. اوكد مرة اخرى ان هذا الاختيار هو اختيار صعب، ان لم نقل اصعب في ظل الوضع السياسي الراهن في ليبيا. وعليه، ان الثورة بالمعنى المالوف، اي التغيير الجذري لصالح الجماهير ومعيشتها ومكانتها الاجتماعية، أن قارناها بالثورة الليبية، يتضح لنا فورا انها اكثر تعارضا معها، هذا ما قال ماركس في الثامن عشر من برومير لويس بونابرت حول الثورة الفرنسية في تلك الحقبة.


ما قاله ماركس أعلاه بصدد ثورات المتتالية بين سنوات 1848-1852 في فرنسا، فيه دروس غنية، للحركات الثورية وخصوصا العمالية، التي تهدف الى ان لا تكون ذيلا لحركات اخرى، بل تهدف الى ان تكون حركة لذاتها. 

 

 

ياجماهير مصر المنتفضة!

ياجماهير مصر التي اطاحت بمبارك!

يادعاة التحرر والمساواة!

ياعمال مصر!


لقد اطحتم بمبارك السيء الصيت. بيد ان رحيل مبارك لايتعدى خطوة في سبيل تحرركم من اوضاع الجوع، الفقر، البطالة والاستبداد والفساد، ليس سوى جزء من امالكم وتطلعاتكم الانسانية العادلة والعظيمة. ان الطبقة الحاكمة تسعى لامتصاص ثورتكم وتقليصها الى اجراءات محدودة من مثل رحيل مبارك وتعديل هذه الفقرة او تلك من الدستور وحل البرلمان، واحالة السلطة بيد الجيش.
 ينبغي ان يكون واضحاً لنا جميعاً ان الجيش هو جيش الطبقة الحاكمة سهرت على اعداده ليوم مثل هذا، انه احد ادواتها للتسلط و"وأد فوضا"كم و"اعادة النظام" منكم. ان قرار الجيش بعودتكم الى البيوت وعودة العمال الى المعامل ماهو الا مسعى لاعادتكم الى ماقبل 25 يناير، ولكن هذه المرة بدون مبارك وقيادة حزبه. لا اكثر. انه الابقاء على النظام ناقصاً حفنة من رؤساءه. انه يقول لكم: "اللعبة قد انتهت"! وان يوم "تكشير انيابه" ليس ببيعد! 
 ليس ثمة كذبة وخرافة بقدر "الجيش المحايد"! ان الجيش قد تشكل لمواجهة "اضطرابات الداخل" قبل "الخارج"!. انها احد اهم المؤسسات القمعية لابقاء وديمومة هذا النظام بجوعه وفقره وانعدام حرياته. انه، وبوعي وبصورة مدروسة، لم يرفع الحراب بوجه حركاتكم الاحتجاجية لانه يدرك ان "مبارك حصان خاسر" لايستحق الرهان عليه والوقوف بوجه الملايين الغاضبة من اجله، ومن الممكن ان يؤدي غضبها في حالة مجابهة الجيش الى هجمة على الجيش نفسه لايعرف نتيجتها. 
 ان عدم مجابهة الجيش لكم لم تكن تعني حياده ولاتعني وقوفه بجانبكم. انه يعني انه لم تزف ساعة تدخله الواعي للسيطرة على الاوضاع واعادة الامور الى نصابها. وكما هو العادة حين تنفلت زمام الامور بالنسبة للطبقة الحاكمة، الجيش، كمؤسسة، وضباط ذوي مصالح ضخمة مع هذا النظام، هو اول من يتدخل. اما بانقلاب او بتسليم السلطة له. كلا العمليتان وجهان لعملة واحدة.
 ولهذا فانه امراً لاينبع من فراغ ان يسلم مبارك زمام السلطة للجيش. انها تبادل الادوات لا اكثر، اجبرت عليه الطبقة الحاكمة جراء هروع الملايين للشوارع ولمدة 17 يوم. الدولة في العالم المعاصر تستند الى ركني الحكومة (الجهاز الاداري) والقمع (الجيش والشرطة). و ان هدف كل هذه الادوات هو اسكات الناس، ارجاعها لبيوتها، اجراء بعض التعديلات الهامشية، وابقاء مسلسل الجوع والفقر والحرمان والاستبداد.

لاينبغي تسليم امرنا للجيش. ان الجيش هو اداة قمع بيد الطبقة الحاكمة. يجب كنس هذه الاداة مع مبارك. بدل حكم الجيش، يجب ان نرفع شعار "يجب حل الجيش"!. انه مؤسسة قمعية واستبدادية سافرة ليست لها اي ربط بالدفاع عن مصالح وحقوق الجماهير. ان مبارك وامثاله هم من ابناء هذه المؤسسة ذات المهمة القمعية وخرجوا من رحمها. انها ليست اهل للحكم. ينبغي تصعيد النضال من اجل انهاء عمرها المشؤوم وخلاص المجتمع من كابوسها، ينبغي كنس الاوهام القومية حولها. ان اي من درجات الوهم بها وبماهيتها هو سُّم فتاك وقاتل لانتفاضتنا المليونية...
ان قسم واسع من هذا الجيش، من ضباط ومراتب وجنود، هم من ابنائنا، ابناء العمال والمحرومين والمسحوقين والجياع ودعاة التحرر، يجب اقناعهم بالالتحاق، في هذا الصراع، بجبهة الرفاه والحرية والسعادة، وعالم خال من القهر والقسر والعوز.


لا للجيش!

نعم لحل الجيش!

نعم لادامة الثورة من اجل تحقيق الحرية والمساواة! 



فارس محمود

سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي

16-2-2011 

 

 

(بحث في ندوة "الثورات العربية ومجابهة الامبريالية")


(القاهرة، 5 حزيران 2011)


ايها الحضور الكرام...


اسعدتم صباحاً


بحثي اليوم تحت عنوان للجلسة اسمه "الثورات العربية ومجابهة الامبريالية". ارتباطاً بالوقت القصير المتاح لي احب ان اتناول هذا الامر من زاوية اخرى.


الى اين يجب ان يمركز العمال الاشتراكيون انظارهم؟


ان مايستنتج من عنوان هذا البحث هو: "يجب مجابهة الامبريالية"!، ان "تضع هذه الثورات مهمة مجابهة الامبريالية" او غير ذلك مما يمكن اشتقاقه من العنوان. بيد ان هذا هو ليس نهجنا، ولانرى انه يتطابق مع اولويات شيوعيوا المنطقة. قام اشتراكيوا مصر بالثورة وشاركوا فيها ضمن الجموع المليونية، وفي المطاف الاخير اطاحوا بمبارك. ان العدو لازال في البيت، وليس في الخارج، وليس في اي مكان اخر. يجب حسم الامر مع العدو الذي هو في البيت.
ان بحث الموضوع بشكل انه يجب ان تكون مهامنا هو مناهضة الامبريالية لايعدو سوى شكل اخر من حرف الثورة عن المسار الذي ينبغي ان تمضي اليه. حرف الانظار والتركيز عن المهمة الاساسية لعمال واشتراكيي مصر اليوم. اذ وفق هذه الرؤية، واستناداً اليها، ستتغير الاولويات والانهماكات.
هل ان تنظيم مسيرة عالمية صوب القدس (كما يدعو الوفد من الهند وغيره)، مسيرة تنطلق من مصر والاردن وسوريا والدول المجاورة لاسرائيل للضغط على الحكومة الاسرائيلية هو ردنا نحن الشيوعيين والتحررين في مصر وتونس على هذه الاوضاع، ام انجاح الثورة في مصر وتونس صوب تحقيق اهدافها النهائية، اهدافها من وجهة نظرنا كاشتراكيين هي ان يكون البديل الاشتراكي للعمال في المجتمع في السلطة. انه افتقاد للحكمة السياسية من زاوية مصالح العمال ودعاة الحرية والمساواة، ومن زاوية حركتنا وبديلنا الاشتراكي للمجتمع. 


ان العالم الراهن هو عالم واحد، عالم طبقتان اساسيتان، الطبقة العاملة والراسمالية. وكلاهما طبقتان عالميتان. ان افضل خدمة يقدمها اشتراكيوا الطبقة العاملة في مصر هو الاطاحة بالراسمالية في مصر، ورسم سبيل عملية الاطاحة هذه وحشد قوى الطبقة العاملة وسائر التحررين لذلك.
ثمة بديلان فقط في المجتمع لا غير. بديل الطبقة العاملة و بديل البرجوازية. ليس ثمة ثورة ديمقراطية شعبية، ولاثورة برجوازية صغيرة ولاغيرها من تصنيفات اعتدنا سماعها من اليسار باقية. الطبقة العاملة توحد وترص صفها وتطرح بديلها للمجتمع، والا ستصب ثورة عمال وكادحي مصر وتونس في جيب البرجوازية، بمحليها وعالمييها، بمبارك اخر و احمد عز اخر وزين العابدين اخر، بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي او بدونهما.


اود ان اؤكد على ان في الوقت الذي لايعد "انتي امبرياليزم" نهجنا ولامقولاتنا، بيد ان هذا لايعني تجاهل او الوقوف مكتوفي الايدي تجاه ممارسات الامبريالية العالمية بهذا الصدد. على العكس من هذا، لقد كان الحزب في مقدمة صفوف النضال ضد ممارسات امريكا والغرب منذ تاسيسه لحد الان. ففي العراق شن نضال سياسي عظيم بوجه امريكا وحربها وحصارها وجرائمها، وكذلك شن نضالاً ضد جرائم اسرائيل بحق جماهير فلسطين، وكذلك بوجه حرب امريكا في البلقان، ضد تدخل الغرب في ليبيا وضد ممارساته في دعم الرجعية وانظمة الاستبداد السياسي وغير ذلك. بيد ان كل هذا لايختزل نضالنا الاشتراكي الى معاداة الامبريالية. ان نضالنا واهدافنا اوسع بكثير.

عالم يعاد تقسيمه!


ان عالم اليوم يشهد صراعاً ضارياً من اجل اعادة تقسيم العالم، اعادة اقتسام كعكة السلطة والثورة والمكانة. انها مسالة مفتوحة امام الجميع، قوى محلية ام اقليمية ام عالمية، وليس الامبرياليات الغربية فقط. انظر الى السعودية وتدخلها في البحرين، انظر الى دعمها للاخوان المسلمين في مصر، انظر الى قطر وسعيها الحثيث للتدخل في اوضاع ليبيا. انه سعي محموم لانتزاع مكانة سياسية واقتصادية اكبر على خارطة السلطة في المنطقة. انها قدرات اقتصادية ضخمة، ذات ثروات، لاتقبل بالمكانة السابقة والدور السابق الذي كانت عليه. كذلك هو الحال مع تركيا وايران وغيرها.
ان الصراع ضد الامبريالية ليس هو هذا الصراع القديم، تحرير المستعمرات، الاستقلال الوطني والتخلص من ربقة الاستعمار الاجنبي. لم يبق هذا العصر.


ذكر هنا في القاعة تصنيف من امثال التيار الصدري، حزب الله وحماس وسوريا وغيرها بوصفها قوى مناهضة للامبريالية. ولهذا يجب ان تنال الدعم منا؟! السؤال المطروح، كيف يحل مؤتمر "الثورات العربية" اشكالية دعمه لحزب الله مثلا، في الوقت الذي يقف حزب الله في خندق نظام الاسد بوجه جماهير سوريا المتطلعة للحرية والرفاه وعالم خالي من الاستبداد والفقر والعوز؟
ان "صراع هذه القوى ضد الامبريالية" لايتعدى صراع من اجل السلطة والمكانة والثورة في المجتمع. نحن لانفصل هذه القوى عن اجندتها الاجتماعية، عن رؤيتها لطبيعة المجتمع الذي تنوي صياغته، حقوق العامل، المراة، الطفل، المتهم ، رؤيتها للرفاه، حرية التعبير والراي، الحقوق المدنية والخ. يقولون ايران معادية للامبريالية؟ بايجاز، ان معاداة الامبريالية بحد ذاتها لاتعطي اي صفة ايجابية لاحد. يقول خامنئي "ندعم كل الشعوب المسلمة ماعدا تلك التي تدعمها امريكا..." اي ان اساس القضية هو ليس دعم البلدان الساعية للحرية والرفاه وانما الصراع مابين ايران وامريكا على النفوذ والسلطة والمكانة في المنطقة.


ما اود قوله باختصار، ينبغي ان لانضيع بوصله حركتنا، ينبغي ان لانفقد تركيزنا، وان لانشوش على انفسنا نوعية المهام المطروحة على جدول اعمالنا، جدول اعمال الطبقة العاملة في مصر، ولايتعلق رايي باهمية النضالات الجارية في فلسطين او غيرها من اماكن.
رفاق... لقد تنبهت الاحزاب الشيوعية العمالية في العراق وكردستان والحزب الحكمتي الى اهمية التحولات الجارية في المنطقة من الايام الاولى، وقررنا في حينه (من الايام الاولى) ارسال وفد الى تونس ومصر. ولكن سؤال اثير على صعيد الاحزاب الشيوعية العمالية الثلاثة في وقتها الا وهو ان هذه الاحداث تعم المنطقة بصورة عاصفة، وطالما تندلع في البلدان الواحدة تلو الاخرى في المنطقة، هذا يعني ان ثمة امكانية لاندلاعها في العراق وكردستان ايضاً، ولهذا، علينا ان نعد العدة لاستقبال هذه الاوضاع والرد عليها. ليس ثمة خدمة اممية نستطيع تقديمها لعمال مصر او تونس او ايطاليا او النيجر، بقدر انتزاع العامل الاشتراكي للسلطة في العراق وكردستان، بقدر انتصار الثورة الاشتراكية في كردستان والعراق.


تعامل امريكا والغرب


لقد تلقفت امريكا بالدرجة الاولى الاوضاع الثورية والدعوات نحو التغيير والثورة: "دعمت الثورات" ومضت فورا لتاييدها وتحدثت عن ضرورة الاصلاح السياسي وتخلت بـ"رمشة عين" عن حلفائها التقليديين العتيدين لعقود. ليس هذا وحسب، بل سمعنا امس ان هيلاري كلنتون ممتعظة من انقطاع الانترنيت لمدة 24 ساعة!!!


ان سر هذا اللهاث الامريكي والغربي معروف. انهما يدركان جيدا ان الاوضاع عبرت الخطوط العادية، ان الثورات قادمة، انهما يدركان جيدا حجم الغضب والسخط الجماهيري المترسب في المنطقة جراء الجوع والفقر والبطالة، الفساد والاستبداد، انهما يدركان ان ما ارتكنتا اليه ودعماه هو الان ريشة في مهب ريح الجماهير المنتفضة، انهما يدركان ان اي محاولة منهما للدفاع عن الانظمة السابقة او حتى السكوت يعني اللعب باوراق خاسرة، وان ذلك سيدفع بهما نحو التهميش والانزواء المتعاظمين بسرعة. لقد رفعتا راية الملكية اكثر من الملك. بيد ان جماهير المنطقة تعلم جيدا ان وجود هذه الانظمة وبقائها لعقود مديون للدعم الامريكي والغربي في جانب منه.


انه تكتيك سياسي معروف. انه تكتيك القبول على مضض امام واقع حال جديد، والسعي لامتصاص غلوائه ولجم عنفوانه وتهدئته، واعادة الامور الى نصابها بدون مبارك وزين العابدين وحفنة من اصحاب الوجوه المنبوذة، واعادة الامور لنصابها، مع اصلاحات جزئية هنا وهناك ترتبط درجتها بدرجة توازن القوى بين الطبقات الحاكمة والجماهير الساخطة.


3 اطراف، 3 اهداف ، 3 تكتيكات!


لايفوتنا ان ننوه الى ان هناك اطراف ثلاثة يمكن تشخيصها في التحولات الثورية والثورات الجارية: السلطة الحاكمة ومعها قوى الثورة المضادة، المعارضة البرجوازية التي ترى في هذه التحولات وسيلة للسلطة (انها طرف غير راض عن حصته من السلطة (مثل الاخوان المسلمين في مصر والاحمر في اليمن وجماعة المجلس الانتقالي في ليبيا)، الطرف الثالث هو جماهير العمال ومحرومي المجتمع. لكل منهم اهدافه وتكتيكاته. ان كان معضلة الاخوان هو ازاحة مبارك، فانهم حققوا هدفهم ولهذا يصطفوا في خندق واحد مع المجلس العسكري اليوم بوجه الثورة وتعميقها ويخونوا من يدعوا الى مواصلة الثورة (!!)، اما عمال مصر وتونس وكادحيهم، فلم يحققوا مبتغاهم بعد، انهم في اول طريق الثورة.


اما حول استراتيجية البديل الاشتراكي للطبقة العاملة، اود ان اذكر ان الثورات تبدء وتنطلق عامة بشرائح اجتماعية وطبقات وفئات واسعة وعريضة، وبشعارات ومطاليب واسعة وفضفاضة من زاوية المطالبة الاجتماعية. مع مراحل الثورة المختلفة، ترى اقسام مختلفة بانها حققت مبتغاها مع تحقيق هذا المطلب او ذاك، بيد ان الطبقة العاملة الساخطة على كل النظام القائم بمبارك وغير مبارك هي التي لها مصلحة في ادامة الثورة حتى ارساء عالم الحرية والمساواة، الثورة الاشتراكية وتحقيق البديل الاشتراكي. ولهذا فان على الشيوعيين والطبقة العاملة دوما ان تديم الثورة حتى ارساء بديلها المتمثل باسقاط النظام الراسمالي وارساء المجتمع الاشتراكي. اي ما يسميه لينين وماركس، الثورة الدائمة.
لقد حقق الاخوان مبتغاهم، ازيل عائق امام نشاطهم السياسي العلني ودخولهم العمل السياسي بـ" كامل قاماتهم"! بيد ان الجماهير العمالية والغارقة بالفقر والجوع والبطالة ابعد من ان تكون قد حققت اهدافها. لهذا يجب ادامة الثورة.


ليبيا... موقف شيوعي!


في الختام لقد اثيرت اشكالية جدية هنا حول كيفية التعامل مع القضية الليبية. ان اساس موقفنا الشيوعي العمالي يستند الى ادانة اجرامية نظام القذافي وممارساته الدموية بحق جماهير ليبيا. ان هذا النظام يفتقد للشرعية، وينبغي ازاحته فوراً من حياة جماهير ليبيا. كما ينبغي الدفاع ومساندة نضال وحق جماهير ليبيا من اجل انهاء حكم نظام القذافي، ادانة التدخل الغربي في ليبيا بوصفه تدخلا امبرياليا معاديا لجماهير ليبيا. ان التدخل الغربي ليس له اي صلة بالدفاع عن المدنيين والابرياء وحمايتهم. ان هذه الادعاءات صادقة بقدر ادعائاتهم تجاه العراق واحلال حقوق الانسان والحرية هناك. واخيرا، لردع القذافي ينبغي ممارسة كل الضغوطات السياسية ومحاصرة النظام سياسياً وتنظيم حملة وحركة عالمية لانهاء هذه الوضعية.


اشكركم

• بحث قدم في ندوة "الثورات العربية ومجابهة الامبريالية" يوم 5 حزيران في القاهرة. انه نص معدل ارتباطا بالتوضيح الاكثر للافكار الواردة فيه، كما اضيف اليه اجوبة الاسئلة والرد على الاسئلة التي لم يسعف وقت الندوة بالرد عليها.

 

 

 

ريبوار احمد

 

ثورات الجماهير وحضورها الميدان لإزاحة الأنظمة والحكومات الظالمة والقمعية في التاريخ قدمت ضحايا ودماء بحيث أن مئات الضحايا وآلاف الجرحى في ثورات تونس ومصر، كانت بالمقارنة بالثورات السابقة، كالثورة الإيرانية عام 1979 على سبيل المثال، مبعث إمتنان واستغراب بسبب"قلة" الضحايا. وليس هذا فحسب، بل وأنها بصدد ايجاد تصور قائل بأن من الممكن أن تتقدم الثورة وتنتصر من دون عنف. وفي هذه الأيام يجري الحديث عن "الثورة السلمية" على صعيد واسع النطاق الى الدرجة التي يبدو فيها مقرراً من البدء شجب واستنكار أي لجوء من قبل الثورات المقبلة للعنف والسلاح. بل ويبدو، من خلال هذه الضجة المفتعلة، الاستنتاج غير المباشر في شجب واستنكار ثورات الماضي لأنها لم تقم بشكل سلمي. حتى أن مديح الثورات السلمية على وشك أن يتحول الى نظرية لرفض كل تلك النظريات التي تقف خلف لجوء الثورة اضطراراً الى السلاح والعنف.

ولم يبقَ هذا التصور قاصراً فقط على وسائل الإعلام الرسمية البرجوازية التي تبرزه بشكل مقصود ومتعمد، بل وأنه شائع بشكل عريض النطاق بين أوساط اليسار وحتى الحركة العمالية والشيوعية. حيث لم ينتشر هذا التصور خلال السنة الماضية فقط على صعيد العالم العربي، بل وأنه انتشر على صعيد العالم كله. خصوصاً أن هذا التصور كان سائداً أثناء تنامي الحركة الثورية والاحتجاجية الجماهيرية في كردستان لدرجة أن أي توجه الى اللجوء للعنف كان مستنكراً ومداناً حتى ولو كان بقصد الدفاع مقابل عنف وقمع السلطة المنقطع النظير. وعلى صعيد الحركة الاحتجاجية الجماهيرية في العراق تحول "النضال السلمي" الى شعار يرفعه حتى الشيوعيون أيضاً. وكان يمكن رؤية القسم بأغلظ الإيمان بأن "نضالنا وثورتنا سلميان" وحتى الحديث بأننا " عبر النضال السلمي فقط سبيل نحقق أهدافنا " في أدبيات تلك الحركة الجماهيرية. أما على صعيد العالم العربي فإن "الثورة السلمية" بصدد أن تتحول الى إطار وقالب مقدس بحيث ان الخروج عليه هو أمر محرم. حتى أن بعض التفسيرات يرى أن أحد أسباب تحول الحركة الثورية لجماهير ليبيا الى مأساة هو بسبب لجوء الجماهير الى العنف.

شيوع هذا التصور استلزم الكشف عن الأسطورة الكامنة خلف هذا التصور والتحليل. وقد كان مبعث قلق بالنسبة لي إثارة بحث أسطورة "الثورة السلمية" خصوصاً أثناء تنامي الحركة الجماهيرية في كردستان والعراق لأنه كان سيكون محرضاً على دفع الحركة باتجاه الصدام ومهاجمة أجهزة السلطة، حيث أنه لم يكن أبداً في ذلك الوقت في صالح الحركة وتقدمها، وليس هذا فحسب بل وكان سينتهي بضررها. في تلك المرحلة كان التكتيك الضروري هو أن تبتعد الحركة الجماهيرية عن أي فعل وممارسة تتحول الى سبب للصدام المبكر وإطلاق يد السلطة في القمع. حيث كانت هذه واحدة من القضايا الحساسة جداً لتلك الحركة الثورية والجماهيرية. لأن تلك الحركة بحاجة حياتية للتقدم خطوة خطوة في عملية بحيث تحقق مكاسب ملموسة وترتقي من كافة الجوانب السياسية والتنظيمية والاتساع على الصعيد الاجتماعي والصف المستقل للدرجة التي تقف بوجه هجمات وقمع السلطة والدفاع عن نفسها وحتى الانتصار على السلطة في المعركة الأخيرة. ولهذا لم يكن في ذلك الوقت وقت إثارة هذا البحث واحتمالية حرف الحركة عن مسار هذا التكتيك. على الرغم أن من المؤسف أنه تم حرفها عن الاتجاه الذي كان من الممكن أن تحقق النصر فيه، وهذا ليس موضع بحثنا الآن.

ولكن فيما يتعلق بـ"الثورة السلمية" أجد من الضروري القول ياحبذا لو جرت الثورة وجميع التغيرات الثورية بدون أي عنف وبدون إراقة قطرة دم واحدة. ولكن من المؤسف أنه ليس سوى مجرد أسطورة لا غير. رواج هذه الأسطورة ليس سوى إيهام للطبقة العاملة والجماهير المضطهدة والوقوع في كمائن البرجوازية والسلطات القمعية. هنا من الضروري أن أوكد أن نضال الحركة الجماهيرية والثورية للطبقة العاملة والجماهير المضطهدة بوسعه ويمكنه وينبغي عليه أن يخطو ويعبر بعض المراحل بشكل بعيد عن العنف أو أقل عنفاً. وليس هناك أي شك أن من الضروري والحياتي جداً أن يتخذ النضال والثورة تكتيكاً بحيث يتقدمان في الأوقات اللازمة والممكن التقدم فيها بعيداً عن أي صدام مبكر قدر الإمكان. هذا الأمر ضروري ليس فقط للتصدي للعنف وإراقة الدماء، بل وأنه في نفس الوقت أمر حياتي لتقدم ونجاح النضال والثورة، لأن واحداً من الأسباب الرئيسية لفشل وهزيمة الكثير من الثورات هو الانتفاضة المبكرة في غير وقتها.

ولكن فيما يتعلق بأسطورة "الثورة السلمية" من المناسب أن نبدأ بالسؤال هل أن ثورات مصر وتونس كانت في الحقيقة سلمية بحيث نطلق عليها تسمية ثورات سلمية؟! صحيح أن الثورة في مصر سعت قدر الإمكان للابتعاد عن اللجوء للعنف، ولكن هل صحيح أن السلطات تجنبت القمع والدماء حين كانت قادرة على القمع وإراقة الدم؟ في تلك الثورة التي يقال عنها سلمية قتل حوالي ألف شخص وجرح الآلاف سواء برصاص الشرطة أو بحراب وسكاكين بلطجية مبارك. وإذن وقوف العمال والجماهير المنتفضة إذا كان ذلك ممكناً لهم في مقاومة الهجمات العنيفة للسلطة دفاعاً عن أنفسهم ورفع أيديهم مبكراً مقابل أولئك الأشخاص القادمين لقتلهم هو عمل سيء ومحرم؟! هل أن الوقوف بلا حراك مقابل الهجوم الوحشي للسلطة يمكن تعريفه ومدحه وتقديسه كثورة سلمية؟ هل يمكن أن يكون ذلك نظرية للثورة ويمنح إمكانية النجاح للثورة لو أنها قدمت خدها الأخر للعدو كي يصفعه فيما لو صفعها على خدها الأول بدلاً من القيام بعمل مقاوم أو عمل هجومي في الأوقات التي تتطلب ذلك؟! إن هذا يمكن أن يطلق عليه نظرية فشل الثورة.

إذا بدا للأنظار أن عنف وضحايا ثورات تونس ومصر أقل مقارنة بثورات الماضي فإن ذلك ليس بسبب أن نظرية أو شكلاً جديداً تم إكتشافه بحيث يمكن القيام به ب"ثورة سلمية". بل أن السبب هو لأنها كانت ثورات غير كاملة، وغيرت شكل الأنظمة فقط وأبقت على جوهرها دون تغيير. على سبيل المثال استطاعت في مصر إزاحة حسني مبارك من السلطة، غير أن السلطة بقيت بيد البرجوازية وتم تسليمها لجنرالات الجيش. ولكن تخيلوا لو أن الثورة ارادت أن تتجاوز الجيش وتزيحه، حينها أي عنف وإراقة للدماء سيحدث؟ في الوقت الذي كانت فيه الثورة بحاجة حياتية لتجاوز الجيش وإزاحته من السلطة وإقتلاع ذلك النظام المسعور والقمعي والظالم من جذوره كي تنجح في تحقيق كل أهدافها. لقد قصرت الثورة حتى الآن في وظيفتها هذه، وفي المقابل تقدمت السلطة في قمع الثورة الى الحد الممكن والضروري. وبالطبع أن هناك أسباب أخرى كان لها دور في تقليل مستوى العنف، ومن ضمنها اتخاذ تكتيك مناسب من قبل جبهة الثورة، تركيبة نسيج المراتب الدنيا في الجيش وتعاطف تلك المراتب مع الجماهير الثورية، والدور البارز للطبقة العاملة في الثورة حيث استطاعت شل عصب الاقتصاد بايقافها للعمل.

ولكن المسألة الأهم هي أن ثورات تونس ومصر لا يمكنها أن تكون نموذجاً لثورة من أجل التغيير الجذري الذي يتطلبه العالم المعاصر. إنهاء الظلم والاضطهاد والحرمان الشامل لأغلبية سكان الكرة الأرضية، يتطلب ثورة تمد أيديها للجذور الرئيسية لذلك الظلم والاضطهاد، يتطلب ثورة تحقق تغييراً جذرياً وثورياً في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يتطلب اسقاط النظام الرأسمالي، نظام العمل المأجور والملكية الخاصة وإقامة النظام الاشتراكي بدلاً عنه. هذه الثورة هي ثورة عمالية وفي الخطوة الأولى تتطلب إخراج السلطة من يد البرجوازية وتحطيم كل جهاز الدولة البرجوازية وأقامة سلطة الطبقة العاملة بدلاً عنها. بدون ذلك فإن أي حديث عن الحرية وانهاء اضطهاد البشر والحرمان الحالي هو محض خيال لا غير.

وإذن علينا السؤال هل هناك إمكانية للثورة العمالية بدون عنف؟! لقد أجاب التاريخ بوضوح على هذا السؤال. البرجوازية لن تتخلى بالكلام الناعم وبأي شكل سلمي عن السلطة والظلم والاضطهاد، بل أنها على استعداد لإراقة الدماء والقتل في سبيل الحفاظ على سلطتها واستمرارها طالما كان ذلك ممكناً بالنسبة لها. وأي توهم وشك وغموض بهذا الخصوص سيصيب الثورة العمالية بالفشل المحتوم. ولهذا فإن الثورة العمالية لا يمكنها مضطرة ان لاتكون عنيفة. فالبرجوازية وسلطتها مدججة بالسلاح، أسست العديد من الأجهزة القمعية المسلحة العريضة النطاق، وتستخدم كل تلك الأجهزة المسلحة ضد حضور الميدان والثورة العمالية ولن يكون بوسع الطبقة العاملة والجماهير المضطهدة النجاح والنصر إذا لم تحصل على إمكانية هزيمة تلك الأجهزة. لذا فإن الثورة العمالية في خاتمة المطاف مضطرة أن تكون، على الأقل خطوتها الأخيرة، لتحطيم السلطة البرجوازية من خلال اللجوء للسلاح والتسلح والانتفاضة المسلحة. وهذا ليس دليل ميل الشيوعيين وميل الطبقة العاملة للعنف، بل أن سببه هو إصرار البرجوازية على القتل وإراقة الدماء والوحشية مقابل أي مسعى يهدد سلطة هذه الطبقة ويهدد أرباح الرأسمال.

ليست فقط الثورة العمالية، بل أن أية ثورة واقعية في العالم المعاصر من قبل مضطهدي ومظلومي المجتمع لإجراء تغيير على حياة ومعيشة الجماهير المضطهدة، أية ثورة حتى لو كان مضمونها ديمقراطي وتحرري وعلى الأقل تجعل إزاحة قسم من مظالم العالم المعاصر هدفاً لها، ستواجه هجوم الدولة البرجوازية المسلح ولن يبقى أمامها أي سبيل آخر لتجاوز العنف واللجوء للسلاح، إلا إذا كان سبيل الفشل والهزيمة ورفع الراية البيضاء مقابل السلطة البرجوازية. 

 

 

مقابلة صحيفة كمونيست الأسبوعي (العدد 89 المنشور بتاريخ 29 تموز 2011) مع فاتح شيخ

كمونيست: لقد دخلت الثورة في مصر مرحلة جديدة بعد رحيل مبارك والتغيرات المتتالية. حيث انفرط عقد صف القوى التي كانت تطالب برحيل مبارك، إذ أن الطبقة العاملة والجماهير المحرومة تطالب بالاستمرار بالثورة وتحقيق مطالبها التي نزلت الى الساحة من أجلها، في حين سعت البرجوازية المحتجة وأحزابها الى الإعلان عن إنجاز الثورة المصرية برحيل مبارك وإرسال الجماهير الى بيوتها. السؤال هو الى أين وصل هذا المسار؟ وكيف هو استقطاب القوى السياسية في الوقت الحالي؟

فاتح شيخ: إن القضية الأساسية لكل ثورة هي قضية السلطة السائدة في البلد. لقد مر أكثر من ستة أشهر على أشتعال "ثورة 25 يناير" المصرية وخمسة أشهر ونصف على سقوط مبارك ومازالت هذه الفضية الأساسية غير محسومة من وجهة نظر القادة والناشطين العماليين والشبيبة الثورية الذين شكلوا القوى الرئيسية والراديكالية للثورة المصرية. فالسلطة السياسية مازالت بيد نفس الطبقة ونفس المؤسسة الحاكمة التي كانت سائدة في عهد مبارك. ومازال الصراع الطبقي، الرافعة الراسخة لتقدم الثورة المصرية، مستمراً بعد تنحي مبارك (في 11 شباط) عن الحكم بأشكال جديدة وفي ظل استقطاب سياسي مختلف تماماً عن ما كان عليه قبل 18 يوماً من تنحي مبارك. المحور الأساسي للصراع الطبقي في مصر بعد مبارك هو الأستمرار بالثورة من قبل العمال والشبيبة الثورية من جهة ومن جهة أخرى السعي كم أجل إيقاف الثورة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة وكل معسكر الثورة المضادة البرجوازية المؤلف من الأحزاب البرجوازية القديمة والجديدة. فقد كان المعنى العملي لتنحي مبارك هو حذف رأس نظام الاستبداد السياسي في ذلك البلد وليس هزيمة النظام نفسه. وقد بقيت ماكنة الدولة والعمود الفقري لها أي الجيش على حالها. حيث أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة والرجعية البرجوازية التي تشمل فئة واسعة من الأحزاب البرجوازية التي كانت حتى غروب يوم 11 شباط في صفوف المعارضة ركزت جهدها مباشرة بعد سقوط مبارك على الحفاظ على ماكنة الدولة والحفاظ على أسس الرأسمالية مقابل هجوم العمال والشبيبة الثورية. وقد أعلن البرادعي مع سقوط مبارك عن رغبة البرجوازية المصرية بضرورة عودة الأوضاع سريعاً الى حالتها العادية كي يتوجه الرأسمال مجدداً نحو مصر. والمثال الأكثر وضوحاً هو إفساح المجال من قبل الجيش للحركات الإسلامية من قبيل الأخوان المسلمين والسلفيين ووقوف هذا الجناح اليميني المتطرف من البرجوازية المصرية بكامل قامته في الخط الأمامي لجبهة الثورة المضادة البرجوازية ضد تقدم العمال والشبيبة الثورية التي شكلت في نضالها في "الدفاع عن أهداف ثورة 25 يناير" القوة الأصلية لنشر مكاسب الثورة والقوة الوحيدة للاستمرار بالثورة. ومرة أخرى تمت تجربة قيام البرجوازية الحاكمة بفسح المجال أمام عامل الرجعية الدينية وطلب المساعدة منه للتغلب على أية أزمة وثورة.

اصطفاف الأحزاب البرجوازية الى جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة ضد تقدم الثورة، بالأضافة الى الحقيقة المرة المتمثلة بعدم تسلح القادة والناشطين العماليين في مصر بوعي طبقي واضح وتحزب سياسي شيوعي مستند على برنامج واستراتيجية الثورة العمالية، أدى الى تراجع العمال بعد سقوط مبارك و تموضعهم في خندق الدفاع عن المطالب الاقتصادية والسعي لتأسيس الاتحادات المستقلة بدلاً من التقدم المخطط له خطوة خطوة في الساحة السياسية في مسار استمرار الثورة والقفز نحو الإمساك بالسلطة السياسية وتحقيق الثورة العمالية. وهذا بالطبع ليس تراجعاً سلبياً وليس خضوعاً لإعادة بناء السلطة البرجوازية الحاكمة من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة والأحزاب البرجوازية. بل إنه سعي واقعي في مسار تجاوز نقاط ضعف قواها الطبقية. استمرار الاضرابات العمالية بهذا الشكل الواسع الذي لم يسبق له مثيل مهد الأرض يوماً بعد يوم وبشكل أفضل لتأسيس التنظيمات العمالية المستقلة. هذه التنظيمات راحت تخضر على المستوى المحلي مثل الفطر الربيعي. وقد استمرت موجة الإضرابات العمالية للأعوام 2006 و 2008 بالموجة الجديدة لإضرابات مرحلة الثورة حيث تحولت الى ظهير راسخ للثورة وحققت اتساعاً أكبر بعد سقوط مبارك أيضاً (وفق إحصائيات موثوقة تم تنظيم أكثر من 11 ألف إضراب عمالي منذ عام 2006 وحتى الأشهر الأخيرة. حيث تمحورت مطالب العمال بشكل أساسي حول زيادة الأجور، إلغاء عقود العمل المؤقتة، توفير فرص العمل وفي جملة واحدة تحسين مستوى المعيشة وظروف العمل. أحد هذه المطالب التي حقق قبولاً على الصعيد الاجتماعي هو تحديد الحد الأدنى لأجور العمال بـ(1500) جنيه مصري شهرياً (أي ما يعادل حوالي 270 دولار) وأن لا يتجاوز الحد الأعلى لرواتب مسؤولي الدولة والموظفين في القطاع الخاص مستوى عشرة أضعاف ذلك الحد الأدنى. هذا هو طابع طبقي بارز تركته النضالات والإضرابات العمالية حتى الآن على الثورة المصرية.

وفي السعي لأيقاف الموجة المتنامية للاحتجاجات العمالية سعى المجلس الأعلى للقوات المسلحة بسرعة وبـ"أمر" الى إعلان "عدم قانونية" ومنع الإضرابات. كذلك اشتمل نص الإصلاحات الأولية للدستور الذي تم تمريره بسرعة دون أي استفتاء على منع تأسيس الأحزاب الطبقية! وكان الهدف هو التصدي لتأسيس الأحزاب العمالية والشيوعية. وقد حضت مساعي المجلس الأعلى للقوات المسلحة المضادة للثورة والمعادية للعمال بمساندة ودعم الأخوان المسلمين، التيارات الأسلامية والأحزاب البرجوازية. هذا في الوقت الذي لم تحضَ فيه معارضة الناشطين العماليين، الشبيبة الثورية والتيارات اليسارية المرتبطة بها بقدرة تعبئة القوى الكافية من أجل إحباط تلك المساعي. مع ذلك في ظل هذه الأوضاع وفي ظل تحالف الجيش والأخوان المسلمين وشركائهم، لم يمكن أيقاف نضال وتقدم العمال والشبيبة الثورية، بل بالعكس حيث أن ضغط هذه النضالات اضطر وأجبر المجلس الأعلى للقوات المسلحة والحكومة والجهاز البيروقراطي والأجهزة القضائية على التراجع وتقديم التنازلات المتكررة. إذ جرى من ضمنها وفي الأسابيع الأولى من تشكيل الحكومة إجبار الفريق أحمد شفيق المتبقي من عهد مبارك على الإستقالة وشكل عصام شرف أحد ناشطي ميدان التحرير حكومة جديدة بدلاً عنه. هذه الحكومة أيضاً واجهت الاحتجاج عليها من قبل الثوار لأنها احتوت على وزراء من "الحزب الوطني" في عهد مبارك ومجموعة من الرأسماليين. كذلك دخلت المحاكمة العلنية لرؤوس النظام السابق التي شملت حسني مبارك وأبناءه وكافة الأشخاص الذين كانت لهم يد في قتل الناس أثناء الثورة الى جدول أعمال الجهاز القضائي. وعليه استمرت الثورة بالعمل على جبهتين أساسيتين من النضال الطبقي: الجبهة الأولى النضال ضد الأوضاع الاقتصادية المزرية ومن أجل تحسين معيشة العمال والجبهة الثانية هي الدفاع عن حرية الإضراب والحريات السياسية وفي اتجاه أزاحة رموز نظام مبارك.

خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة (من 8 تموز وحتى الآن) انطلقت موجة جديدة من التحركات الثورية بعثت من جديد الطابع الثوري لميدان التحرير بأقامة الاجتماعات والاعتصامات. وقد تشكلت هذه التحركات الثورية من قبل تنظيمات الشبيبة الثورية وعلى رأسها "حركة شباب 6 ابريل"، الناشطين العماليين، الأحزاب اليسارية التي بصدد التأسيس، وعدد من التيارات الليبرالية. كذلك شارك الأخوان المسلمون في تظاهرات 8 تموز ولكنهم عادوا عصر نفس اليوم الى خطهم السابق كقوة معارضة لكل تحرك ثوري ومدافعة عن جميع المساعي المضادة للثورة التي يمارسها المجلس الأعلى للقوات المسلحة. مقاومة الأسابيع الثلاثة الأخيرة من قبل القوى المدافعة عن الثورة بوجه تهديدات المجلس الأعلى للقوات المسلحة كانت سبباً لتراجعات واضحة ومتتابعة من قبل الجيش وفرض تغييرات على حكومة عصام شرف. وخلال الأيام الأخيرة اتجهت هذه التحركات الثورية نحو الإتساع ووقفت عملياً يوم الجمعة المصادف 29 تموز أمام اختبار وتجربة جدية حيث لجأ الأخوان المسلمون والسلفيون الى استعراض للقوة المضادة للثورة. وقد تبلور التحرك الثوري الجديد حول سبعة مطالب مشتركة من ضمنها: تحديد الحد الأدنى والأعلى للأجور، إلغاء قانون منع الإضرابات، المحاكمة العلنية لمبارك ورؤوس النظام السابق، إلغاء محاكمة الناشطين الثوار في المحاكم العسكرية، حرية السجناء السياسيين وإلغاء قوانين الطوارئ.

كمونيست: شهدنا في الفترة الأخيرة وخلال المناخ الثوري القائم حتى الآن في مصر ظهور التنظيمات العمالية المختلفة، النشاط العلني للأحزاب والتيارات اليسارية. كيف هي مكانة الطبقة العاملة في هذه التغيرات في الوقت الحالي؟ ماذا كانت مكاسب الطبقة العاملة وماهي العقبات والمعضلات التي تواجه تقدمها؟

فاتح شيخ: إن مكانة الطبقة العاملة في الثورة المصرية المستمرة هي مكانة متناقضة. ففي الوقت الذي يشكل فيه دور وثقل نضال عمال مصر الطبقي في هذه الثورة أساسياً وحاسماً وهذه هي نقطة قوة جدية بشكل كبير جداً، فإن الأهداف الغامضة للناشطين والقادة العماليين في هذه الثورة وغياب برنامج واستراتيجية تتعلق بالثورة العمالية في مسار استمرار الثورة هي نقطة ضعف جدية بشكل كبير أيضاً. على سبيل المثال فإن الشعار السائد والمسيطر على أجواء النضال العمالي هو "الحرية والعدالة الاجتماعية". حيث أن الترجمة العملية لهذا الشعار العام والحافل بالغموض في النضالات اليومية هي البقاء ضمن حدود المطالب الاقتصادية وترك الساحة السياسية للأحزاب البرجوازية الليبرالية واليسار الليبرالي. غموض هذا الشعار في الضروف المحددة للثورة المصرية القائمة وفر لإخوان المسلمين بوصفهم أحد أجنحة اليمين البرجوازي المصري إمكانية أختيار اسم جديد هو "حزب الحرية والعدالة" بغرض إشاعة الأوهام في صفوف الطبقة العاملة للحصول على أصواتها في الانتخابات البرلمانية القادمة. وبالطبع فأن التحرك الثوري الجديد خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة فضح بدرجات كبيرة الجوهر اليميني المتطرف للأخوان المسلمين وبقية التيارات الإسلامية ومكانتها وموقفها الحقيقي المناهض لثورة العمال والجماهير الثورية والتحررية. إن هذه هي مواجهة جدية ومختبر تجارب للناشطين والقادة العماليين حيث توفر الإمكانية لتوحيد صفوفهم والإرتقاء بوعيهم أكثر لمواجهة التحديات القادمة والصراعات الطبقية المرتقبة برؤية وأفق طبقي أكثر وضوحاً. في الوقت الحالي فإن وزن وثقل الاضرابات والنضالات العمالية أدى الى أن يصبح ضغط الطبقة العاملة على كافة التيارات اليسارية المشغولة ببلورة برنامجها والإرتقاء بتنظيمها أمراً واضحاً وملموساً. في نفس الوقت فإن فئة من القادة والناشطين العماليين الأكثر تقدماً المشغولين في صفوف الاتجاة الراديكالي والاشتراكي للطبقة العاملة بتنظيم النضالات والاضرابات العمالية المستمرة ذوي النفوذ والاعتبار والذين يعتبرون أنفسهم شيوعيين وماركسيين يبذلون جهدهم للإرتقاء بصفوفهم وإضفاء الإنسجام عليها وبلورة التنظيمات الجماهيرية العمالية. هذا التحرك يبعث على الأمل بشكل كبير جداً وجدير بافضل التنسيق والتشاور الشيوعي.

كمونيست: ما هي الدروس المستخلصة من التغيرات المصرية والأوضاع القائمة بالدرجة الأساس والنزاعات والاصطفافات الجديدة وتجارب الثورة حتى الآن في ذلك البلد بالنسبة للطبقة العاملة الإيرانية؟

فاتح شيخ: هذه التغيرات والتحديات التي واجهتها وتواجهها الطبقة العاملة والشيوعيون في مسار استمرار الثورة القائمة في مصر، تحمل الكثير من الدروس والعبر الثمينة جداً للطبقة العاملة والشيوعية في إيران والتي يجب تعلمها والاستفادة منها بشكل جدي. حيث على الشيوعيين والناشطين والقادة العماليين الاستفادة من أية لحظة وفرصة لمشاركة صفوف الطبقة العاملة باستعداد وجاهزية فكرية وسياسية وتنظيمية بأفضل وارقى الأشكال في الثورة الإيرانية المقبلة. وأن القضية الأساسية لأية ثورة هي قضية السلطة الحاكمة في البلد وعلى القادة والناشطين العماليين وعلى وجه الخصوص الشيوعيين والاشتراكيين أن ينظروا الى قضية الإسقاط الثوري للجمهورية الإسلامية من منظار ورؤية واستراتيجية الثورة العمالية. تجربة الثورة المصرية وبقية الثورات الجارية في الشرق الأوسط هي تجربة تاريخية أثبتت مرة أخرى أن التقدم في مسار "استمرار الثورة" من منظار مصالح الطبقة العاملة مرهون بتقييم الفئة الواسعة من قادة الطبقة العاملة الشيوعيين لاستمرار الثورة بمعيار الثورة العمالية، وليس الثورة بشكل عام أو أية ثورة وأن تضغط على هذا الأساس من أجل التقدم بها. وفي أي تحول ثوري وأوضاع ثورية وثورة تحدث في اي مكان، على العمال أن يكونوا واعين أن جميع القوى والأحزاب البرجوازية في الفترات الحساسة من مسار الثورة ستوجه فوهات بنادقها على صدور وصفوف العمال. أخيراً فأن الطبقة العاملة الثورية إذا لم توحد وتنظم صفوفها، إذا لم تنظم وسائل إقتدارها وسلطتها ولم تكن قادرة على الدفاع الصلب والحاسم عن مصالحها في أي تحد يواجهها في مسار الثورة، لن يكون في أنتظارها أي مصير سوى الهزيمة والخضوع لمواصلة عبودية العمل المأجور. لن تغفر البرجوازية أبداً للعمال الثوريين، ولا أي قسم منها. يمكن للطبقة العاملة أن تصبح قائدة استمرار الثورة وتحولها الى ثورتها العمالية ولكن يمكن أيضاً أن تتحول الى ضحية لأهدافها الغامضة. ينبغي الانتباه لمفترق الطرق هذا.

 

ترجمة: يوسف محمد

 

 

الصعود الجديد للحركة العمالية في مصر

تبدي للطاقات الهائلة للطبقة العاملة في مسار ديمومة ثورة مصر

 

فاتح شيخ

 

عمت الاضرابات الكبيرة عاصمة مصر ومناطقها العمالية-الصناعية وشلّتها عملياً. لم تقتصر هذه الاضرابات على القاهرة، بيد ان تمركز قواها في هذا المتروبول العظيم الذي يقطنه ربع سكان مجتمع من 85 مليون نسمة، اضفى ثقل واهمية خاصة من ناحيتين: 1- من ناحية نضالات الطبقة العاملة والجماهير المحرومة للمجتمع من اجل التحسين الفوري لظروف المعيشة، 2- من ناحية صلة هذه النضالات بمسار استمرار الثورة. مع بلوغ الحركة العمالية في مصر اوجها من جديد، فان هذين الميدانين الضروريين وغير المفصولين عن بعض والذين يمثلان ميدانين اساسيين للصراع الطبقي الجاري، طرحا على جدول اعمال القادة والنشطاء العماليين في مصر اسئلة وقضايا جديدة.

 

ان صلة نضالات الطبقة العاملة في مصر بثورة انهت عمر 32 عام من تنصيب مبارك لنفسه على راس الاستبداد السياسي لذلك البلد، لم يبقى امراً خافياً على احد اليوم. ان التغطية الضحلة جداً (وفي الحقيقة عدم التغطية) لهذه النضالات من قبل الاعلام البرجوازي، دليل اخر على المكانة الماجورة السافرة والمباشرة للاعلام، بوصفه ركن ثابت للنظام البرجوازي المتعفن، على صعيد العالم. على اية حال، طرحت زوايا من هذه الحقائق، والتي تُعكَسْ تحت ضغط النضال الطبقي نفسه، الطاقات والامكانيات الهائلة للطبقة العاملة في مسار ثورة 25 كانون الثاني، واستمراراً له امام انظار العالم. في التاسع من شباط، اي يومين قبل الاطاحة بمبارك، نشرت جريدة لوس انجلس تايمز تقريراً معبراً حول "الجذور العمالية لثورة مصر"، صورت فيه الابعاد العريضة لنضال الطبقة العاملة في مصر قبل الثورة وفي خضمها. ومباشرة بعد هذا، اي في 10 شباط، نشرت جريدة الاهرام، وهي الجريدة الاساسية للبرجوازية المصرية، قائمة طويلة بالاحتجاجات العمالية. لقد كان البلاغ الصريح  لكلا الجريدتين هو: اذا لم يول مبارك، سيغدوا السيطرة على النضالات العمالية اكثر صعوبة وتعقيداً.

 

في هذه الايام، نشرت جريدة واشنطن بوست مقالاً حول الحركة العمالية في مصر بعنوان (ازدهار الحركة العمالية في مصر في الربيع العربي، انتوني فايولا، واشنطن بوست-25 ايلول)، وخصصت كويت تايمز (27 ايلول) مقالاً تحليلياً مفصلاً حول الاحتجاجات الجارية لعمال صناعات مصر. اذ وصف كاتب مقال كويت تايمز، عبر الاشارة الى مشاركة نصف مليون عامل صناعي في مصر في هذه الاضرابات، بوصفه اكبر تحرك عمالي في التاريخ المعاصر لمصر وابدى عجبه واستغرابه من انه: لماذا تقف اليوم وسائل الاعلام الصادرة بالانكليزية، والتي غطت احداث ميدان التحرير ساعة بساعة، صماء امام هذا التطور المهم! لحسن الحظ، ان شبكات اعلام الناشطين العماليين والاشتراكيين وحملات التضامن مع الحركة العمالية كانت بحد عوضت التغاضي الواعي للاعلام البرجوازي والذي هو نفسه جزء من الصراع الطبقي الجاري.

 

تنامي امكانيات وحركات الحركة العمالية في مصر في المرحلة الثورية الجارية

 

في غالب الاحيان، وهو امر في مكانه، يتم وصف نضالات السنوات الاخيرة للطبقة العاملة المصرية، اي من اضرابات 7 كانون الاول 2006 الى موجة اضرابات 6 نيسان-ابريل 2008، بوصفها مصدر ثورة 25 كانون الثاني ومنبعها.  وفق هذه الرؤية، يقيم اتساع الاضرابات العمالية ابان الـ 18 يوم من الثورة واعلان تاسيس 3 اتحادات عمالية مستقلة في 3 كانون الاول  30كانون الثانيادامة خطية للنضال الطبقي لاعوام 2006 و2008.  ان هذا التفسير هو في محله لحد ثورة 25 كانون الثاني والاطاحة بمبارك، ولكنه بعد ذلك، يعد احادي الجانب وغير كاف لانه لايدخل للمعادلة تاثير الثورة نفسها بوصفها حدث عظيم من تاريخ مصر على مكانة الطبقة العاملة المصرية. في الوقت الذي كانت ثورة مصر حصيلة تطورات وتفاعلات النضال الطبقي لذلك المجتمع، فانها، وبصورة محددة، كانت على الاغلب حصيلة النضال الواسع للطبقة العاملة المصرية ضد الاستغلال والاستبداد الحاكم، وهي نفسها بداية جديدة. ان ثورة مصر هي بداية تاريخية واجتماعية اهم بدرجات من جميع العوامل التي لكل منها دور في اندلاعها.

ان ثورة مصر هي منعطف اساسي لمجتمع مصر وحركة الطبقة العاملة المصرية. اذ يمكن اليوم وبوضوح رؤية وتلمس تاثير هذا المنعطف الاساسي على تنامي طاقات الحركة العمالية المصرية. اذ لم يحلم بتنامي حركة الطبقة العاملة اكثر النشطاء والقادة الاشتراكيين العمال في مصر قبل الثورة املاً وتفاؤلاً ورسوخاً وصلابة. ان الثورة هي واقع وحدث اجتماعي عظيم ومفعم بالتاثير، وان اي ناشط وقائد عمالي لايرى الجوانب المتنوعة والمهمة لتاثيرها، ولايحسب لاسلوب عمله وافكاره واستراتيجيته وسياسته، ولايشخص ضرورة الارتقاء الراديكالي لاسلوب عمله ارتباطاً وتطابقاً مع الارتقاء الراديكالي العمالي المستقل في المرحلة الثورية، لن يكون في افضل الاحوال سوى ناشط مخلص للحركة النقابية العمالية لايعرف 1% من الطاقات والقابليات النضالية للطبقة العاملة في المراحل الثورية، ناهيك عن تنشطيها. اذ يتحدث القادة والنشطاء العماليين بزهو وفخر عن اذا في 18 يوم من ايام الثورة دخلت 3 نقابات عمالية مستقلة في الثورة ، فان عدد النقابات المستقلة التي تشكلت في 7-8 اشهر الاخيرة قد اجتازت 150 نقابة. ان هذا الحد من التقدم يبعث على الفخر كثيراً. ان تقدم القادة العماليين في تنظيم موجة الاحتجاجات الهائلة التي اجبرت الحكومة وارباب العمال على الرضوخ الى قسم مهم من المطاليب العمالية هو امر عظيم ويبعث على الفخر بالقدر ذاته.

ان التقدم الجديد هذا يضع مطاليب جديدة. ان التحسن الفوري لمعيشة واوضاع عمل الطبقة العاملة والجماهير المحرومة للمجتمع، المعلمين والاقسام ذات الدخل المحدود، وهي من اجل التصدي للفقر السائد وانعدام الحقوق السائد، هي مطلب حق ولايمكن تاجيله للطبقة العاملة والتي تنظمت معظم الاحتجاجات الجارية حولها. وكذلك الغاء قانون منع الاضراب، الغاء قانون اوضاع الطواريء الذي يدفع به المجلس العسكري مرة اخرى، وبموازاة مطلب الاقرار بالنقابات المستقلة، فان حل الاتحاد الحكومي الذي كان منذ تاسيسه في عام (1957) اداة بيد الحكومة الاستبدادية البرجوازية لناصر والسادات ومبارك واداة تحكم وقمع حركة الطبقة العاملة، هو مطلب مهم كذلك. ان طرح هذه المطاليب هو دلالة الارتقاء السريع بوعي وتنظيم الطبقة العاملة خلال 8 اشهر الاخيرة.

في الوقت ذاته، يفرض هذا التقدم ضرورة اطار جامع وشامل لرؤية وبرنامج واستراتيجية اشتراكية عمالية مرتبطة بالثورة العمالية والاطاحة بنظام عبودية العمل الماجور الراسمالية بوصفه جذر واساس مجمل مصائب المجتمع والطبقة العاملة، وهو الامر الغائب في الابحاث والنقاشات الجارية للحركة العمالية المصرية وشبكات حلقات ومنظمات القادة والنشطاء العماليين. فبالاضافة الى الفراغ الاساسي والاستراتيجي هذا، فان سؤالات اخرى مطروحة كذلك، من بينها ماهو معنى صفة "مستقل" في وصف الاتحادات والنقابات؟ هل ان الاستقلال الصرف عن النقابة الرسمية الحكومية  هو امر كاف لتحديد وتامين استقلال الصف الطبقي للعمال وتامين سيادة خط وراية سياسية للتيار الاشتراكي العمالي في هذه المنظمات؟  ان مثل هذا البحث والجدل لم يجري في حلقات القادة العماليين في مصر. حين نتحدث عن "مستقل"، علينا ان نعلم انه في المجتمع، وبالاخص في المراحل الثورية، لايجري فصل واستقلال حركة الطبقة العاملة عن حركات التيارات الاجتماعية الاخرى بصورة اوتوماتيكية، كما انه ليس سهلاً، ولايتحقق الا عبر تحديد واضح لخط وراية تيار الاشتراكية العمالية ونقد ماتطرحة التيارات "اليسارية" غير العمالية. لقد انخرطت تيارات "يسارية" متعددة في هذه المرحلة في مصر في الثورة. وانها تعرف نفسها بالانتماء للحركة العمالية المصرية. ان التصورات غير العمالية لماقبل الثورة تحمل نفسها لمرحلة الثورة الجارية. ان نقطة قوة الحركة العمالية المصرية والقادة والنشطاء العماليين اليوم هو انها حضرت نفسها، وبمعزل عن هذه المنظمات، مباشرة ميدان تنظيم المنظمات والتحركات العمالية. ان الثورة بوصفها واقع وحدث اجتماعي كبير، وضعت المنظمات اليسارية والنشطاء والقادة العماليين على السواء امام تغييرات جدية وضرورية واختبار سياسي جدي. ان تسيير جدل فكري وسياسي شفاف فيما يخص المسائل الاساسية للثورة، من زاوية التيار الاشتراكي العمالي الفعال داخل حركة الطبقة العاملة المصرية هو ضرورة حياتية راهنة.

تغيير مضمون الثورة ومكانة الطبقة العاملة في مصر

مع التقدم والتحرك الواسع للحركة العمالية في مصر، يطرأ على مضمون ثورة مصر تغيير. كما ان مكانة الطبقة العاملة قد تغيرت. ان الحركة العمالية في مصر دخلت الثورة باقتدار طبقي لاينكر، ولكنها، وحتى يوم سقوط مبارك، كانت تسير باتجاه واحد مع الحركات والتيارات الاجتماعية والسياسية الاخرى المشاركة في الثورة. لقد انتهى هذا السير باتجاه واحد. اذ لاندحة للطبقة العاملة، وارتباطاً بمصالحها الخاصة، من مواصلة نضالها لتحسين الفوري لمعيشتها وظروف عملها، اتخذت مكانتها الحقيقية بوصفها اكثر القوى دفع ومواصلة الثورة راديكالية ويتحتم عليها مجابهة معسكر الثورة المضادة المؤلف من الجيش والحكومة والبرجوازية والاحزاب والحركات الاسلامية والقومية المختلفة. وبينت التجربة التاريخية للقرنين المنصرمين  ان اي ثورة واي موجة ثورات، يتشكل امامها مباشرة ثورة مضادة هائلة ومكثفة وان تقدم الثورة او هزيمتها يمر عبر قناة صراع معسكر الثورة (وعلى راسه الطبقة العاملة) مع معسكر الثورة المضادة البرجوازي (على راسه الدولة والجيش البرجوازي).

اذا كانت الطبقة العاملة قد رميت مع ثورة مصر عملياً بمكانة حامل راية مواصلة الثورة، عندئذ ينبغي ان تتحلى برد على مجمل قضايا الثورة ومجمل مسائل المجتمع. وينبغي ان تتحلى بردود ثورية. ان اول واهم مسالة في اي ثورة هو مسالة انتزاع السلطة السياسية، ان هذه المسالة الاساسية في ثورة مصر بقت دولنحل وجواب من زاوية الطبقة العاملة والجماهير المحرومة للمجتمع. ماهو رد الطبقة العاملة المصرية على هذا الامر؟ والان بعد هذه الاضرابات الواسعة، ماهو الرد العمالي على مسار ادامة الثورة؟ استناداً الى اي خط وسياسة تدام الثورة؟  ان رد التيار الاشتراكي للطبقة العاملة هو ليس محض ادامة الاضرابات او فرضاً تخطيها نحو اضراب عام، ماهو الجواب الدقيق على هذا الامر؟ ان قضية الانتخابات مطروحة الان، ينشد الجيش والدولة والبرجوازية المصرية هدف انه لغاية شهرين، وعبر ترتيب برلمان ما، يطلق صافرة انتهاء الثورة واقامة حكومة برجوازية "جديدة" بعد مبارك. ماهي سياسة الطبقة العاملة لمجابهة هذا المسار الانتخابي والبرلمان البرجوازي؟ في الدستور المعدل والذي طرح للاستفتاء كذلك، تم تحديد دين الاسلام بوصفه اساس القوانين، ماهو رد الطبقة العاملة حول مجابهة نظام سياسي علماني وفصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم لنظام سياسي مخلوط بالدين؟ ماهو رد الطبقة العاملة على قضية المراة في مجتمع مصر؟ ردها على سياسة خارجية واممية عمالية اشتراكية؟ ماهو سبيل حل الطبقة العاملة لقضية فلسطين؟ واخيراً، ماهي استراتيجية الطبقة العاملة لادامة الثورة الجارية حتى بلوغها الثورة العمالية. ان هذه الاسئلة ومجموعة اخرى متفرعة منها هي اليوم في مصر على طاولة الطبقة العاملة الثورية سواء شئنا ام ابينا. لامفر من ذلك. ولكن يبدوا ان هذه ليست مطروحة بعد على جدول اعمال البحث الفكري السياسي للقادة والنشطاء الاشتراكيين في مصر. ان اعطاء جواب واضح على هذه الاسئلة يموازاة الدفع بالميادين الاساسية للصراع الطبقي يقع على عاتق قادة التيار الاشتراكي للطبقة العاملة في مصر.

في هذه المجابهة الجسيمة، في هذه الحرب الطبقية الحاسمة، ليس عمال مصر لوحدهم، وينبغي ان لايكون ذلك. ينبغي ان يكون عمال العالم وتحرريه حماة هذه الفصيلةالثورية للطبقة العاملة.مع الحضور المقتدر للطبقة العاملة، فان مواصلة الثورة الجارية في مصر وحتى بلوغ الثورة العمالية هو افق واقعي وممكن. ينبغي السعي بكل القوى من اجل تحقيق هذا الافق.

ترجمة: فارس محمود

نشر لاول مرة في جريدة كومنيست هفتكي-الشيوعي الاسبوعية-، جريدة الحزب الشيوعي العمالي الايراني- الحكمتي، العدد 97 والصادر في 30 ايلول 2011.    

 

 

بعد مرور 7 اسابيع على اندلاع اول شرارة لـ"انتفاضة الخبز" في تونس (17 كانون الاول-ديسمبر) و10 ايام على اول موجة من "يوم الغضب" في مصر (25 كانون الثاني)، اتخذت الهبات الجماهيرية للمنتفضين في هذين البلدين خطوات كبيرة. ان هذه الخطوات الكبيرة في غضون هذا الوقت القصير لهي دلالة على الطاقات العظيمة لهذه الهبات و قدرة القوى الاجتماعية والسياسية التي تقف ورائها والتي حضرت للميدان بهدف احداث تغييرات اساسية في المجتمع. ومع فرار بن علي في تونس وفرض تراجعات حاسمة على حسني مبارك في مصر، الحقت الجماهير المنتفضة ضربات سياسية مهمة براس الاستبداد البرجوازي الحاكم وببنية الدولة وسلطتها السياسية القمعية.  فبالاضافة الى هذه الضربات السياسية، اجبرت كلا الحكومتين اللتين عصفت بهما ضربات جدية، بوصفهما حكومات برجوازية في مراحل الازمة الثورية، لحد الان على اطلاق الوعود فيما يخص مكافحة البطالة الواسعة بين الشباب، مجابهة الغلاء عبر خلق "توازن بين الاجور و الاسعار" وتحسين معيشة العمال والفئات المحدودة الدخل في المجتمع،  بيد انهم  لم يكونوا في الاوضاع "العادية" على استعداد للاقرار بالوضعية. انها مكاسب مهمة، لقد حان وقت العمل.

 

ينبغي تتبع مسار تقدم هذه الهبات، طاقاتها و امكاناتها و نقاط قوتها و كذلك المخاطر التي تعترضها باعين مفتوحة في بعدين: بعد، دينامية تعميم وادامة الاوضاع الثورية والثورة في نفس مجتمعات تونس ومصر، والبعد الاخر توسيع موجات الهبة لبلدان اخرى وتاثيرها وتاثرها بسياسات القوى الراسمالية في المنطقة والعالمية. من الواضح ان تقييم هذه الابعاد هو امر ضروري، بيد انه يتعدى نطاق هذه المقالة. ساتطرق هنا فقط الى جوانب منها بصورة مكثفة.

 

الدينامية الاجتماعية والسياسية لهذه الهبات

 

ان تونس ومصر هما جزء من المجتمعات الراسمالية المعاصرة التي تتمثل مكانتها في تقسيم عمل العالم الراسمالي بانها منطقة العمل الرخيص وهدف تصدير الراسمال بغرض جني ارباح هائلة من استغلال قوى العمل الرخيصة للطبقة العاملة. اذ يستند تاريخياً الاقتصاد والسياسة في هذه المجتمعات، وبصورة مختلفة عن المجتمعات الراسمالية المتقدمة، الى اساسين: الاعتماد على القوى الرخيصة للطبقة العاملة وتامين اعادة انتاجها وثانيا الاستبداد السياسي والقمع السافر بوصفهما بنيته الفوقية السياسية.

 

لقد جوبهت الازمة الراسمالية العالمية في السنوات الثلاثة الاخيرة والهجمات الواسعة للبرجوازية في جميع المجتمعات على معيشة وحقوق ومكاسب الطبقة العاملة والفئات عديمة الراسمال، سواء على صعيد البلدان الراسمالية الاكثر تقدما او بلدان مناطق العمل الرخيص، باحتجاجات ومقاومة عمالية عريضة وجماهيرية. ان تطورات تونس ومصر هي  راس نقطة انفجار هذه المجابهات والصراعات في الحلقات الاضعف للراسمالية المعاصرة. في تونس ومصر ومجتمعات على هذه الشاكلة، بلغت النصال عظام الطبقة العاملة والجماهير المحرومة للمجتمع جراء هبوط مستوى المعيشة وانعدام الحقوق والقمع المتواصل، كما بلغ السيل الزبى بالفئات البرجوازية والبرجوازية الصغير ايضاً لحد ما جراء الاستبداد السياسي وانعدام الحقوق. حيث تبين مسار الاحداث للاسابيع الاربعة الاولى للهبة الجماهيرية في تونس، و 10 ايام الاولى نفسها في مصر تركيبة احتجاج هذه القوى الاجتماعية المختلفة.

 

ان عدد هائل من الجيل الشاب لهذه المجتمعات، ينتمي اغلبهم الى الطبقة العاملة والفئات الدنيا للمجتمع، يمثلون القسم الاعظم من جيش العاطلين الكبير لهذه المجتمعات الذي يمثل وجوده شرط اعادة انتاج قوى العمالة الرخيصة. بالنسبة لهذا الجيل الشاب من حملة الشهادات، تمثل الشهادات مثل نيل بطاقة الانضمام الى جيش العاطلين اكثر من الحصول على فرصة عمل. ولهذا فانه لامر طبيعي جدا ان تؤدي، في المرحلة الراهنة، تناقضات الراسمالية في مثل هذه المجتمعات، سواء على صعيد الاقتصاد او السياسة الى انفجار ثوري، وهو مانراه اليوم في تونس ومصر. وما ان فتح هذا الانفجار لحد الان اجواء سياسية ووجه ضربة لسلطة الدولة القمعية، مما يعني توفر الفرصة للحركات السياسية الطبقية، سواء اكانت العمالية ام البرجوازية بمجمل اشكالها، لدخولها الميدان، تعقب افاقها واهدافها وتوحيد صفوفها وتقوي نفسها. ان هذه هي دينامية تنامي الصراع الطبقي في رحم تقدم التطورات الثورية او  الدفع بها نحو القهقري من قبل البرجوازية في السلطة وفي المعارضة، وهو الامر الذي نشهد الان مقاطع واحداث يومية منه.

 

ان قوة اجتماعية وسياسية خلف هذه التطورات واسعة ومتنوعة، وان ماحضر في الميدان ماهو الا قسم صغير منها. يتلخص دور الجيش والمؤسسات النظامية والسياسية والقضائية البرجوازية، بالاضافة الى دور المعارضة البرجوازية، بتحجيم مدى هذه التحولات ونطاقها. من الجهة المقابلة، يتمثل دور القادة العماليين ومنظماتهم، وكذلك الشباب الثوريين والتحررين، بتعميم وادامة المكاسب التي تحققت لحد الان. يدفع العمال في الوقت الراهن في تونس بهيئة "الاتحاد العام التونسي للشغل"، وفي مصر على هيئة فدراسيون النقابات العمالية الذي تشكل حديثاً (والذي اعلنت الهيئة المؤسسة في 30 كانون الثاني عن تاسيسه)، بنضالهم وتدخلهم في التطورات الراهنة. في مصر كذلك، ان "حركة 6نيسان" التي حضرت للميدان منذ نيسان 2008 دفاعاً عن نضالاتهم العمالية في تلك المرحلة، هي القوة الاساسية المعبئة لاحتجاجات الايام العشرة الاخيرة. مع دخول العصابات المعادية للثورة والموالية لمبارك والدولة الحاكمة، آلت من يوم الاربعاء الى تظاهرات صدامية واعلنت حركة 6نيسان يوم الجمعة 4شباط بوصفه يوم تكرار الاحتجاج العام من اجل الاطاحة بمبارك.

 

مهما يكون عليه افق هذه المجابهات، ستديم التطورات الجارية في تونس ومصر نفسها بالمنظور القريب بخصيصة ومطاليب اصلاحية سياسية واقتصادية. ومع ادامة هذه التحولات الثورية ستكون ميدان التدخل النشط والراديكالي للعمال والشيوعيين وكذلك ميدان لسعيهم المتواصل من اجل خلق وحدة وتنظيم اكثر رسوخاً داخل صفوف الطبقة العاملة وتامين صف مستقل وافق وبديل عمالي وشيوعي، تعميم شيوعية بروليتارية وارساء تحزبها الشيوعي. في مجمل المجتمعات الراسمالية المعاصرة للعالم، بوسع اي تحول ثوري، حتى ولو كان ذا خصيصة اصلاحات ديمقراطية وفي اطار العلاقات الراسمالية، ان يكون نذير ثورة عمالية واشتراكية وذلك للحضور الاجتماعي المقتدر للبروليتاريا في اقتصاد المجتمع. ان شرط تقدمها واستمرارها في هذا المسار هو تامين مستلزمات الصف المستقل والمقتدر للبروليتاريا وارساء تحزب شيوعي وهيئات اقتدار جماهير الطبقة.

 

اتساع رقعة موجة الهبات الجماهيرية

 

يتمثل بعد اخر في اتساع نطاق هذه التحولات. لقد شهدنا وصول بلاغ الهبة الجماهيرية في تونس ومصر واثارها وعواقبها لحد الان الى جغرافيا سياسية واسعة في شمال افريقيا والشرق الاوسط، ويبدوا ان سرعة حركتها والطاقة الاجتماعية والسياسية التي تقف ورائها تتمتع بقدرات تاثير اوسع على جغرافيا سياسية اوسع في المنطقة والعالم. فتحت ضغط الاحتجاجات العامة، رضخ ملك الاردن لعزل رئيس الوزراء "سمير الرفاعي" ونصب بدلا عنه الجنرال "معروف بخيت" مطلقاً الوعود بالاصلاحات السياسية والمعيشية. اما في اليمن، فقد اعلن يوم الاربعاء علي عبد الله صالح الذي جثم 32 عاماً كرئيس لـ"الجمهورية" انه لا هو ولا ابنه! سيرشحان انفسهما! وفي السودان، في الوقت الذي صوت اكثر من 99% من المشاركين في استفتاء المنطقة الجنوبية للسودان على الانفصال، تواجه الحكومة الاسلامية لعمر البشير تحديات جدية من المعارضة البرجوازية والاحتجاجات الجماهيرية. اذا كان الاستبداد البرجوازي في مصر وتونس يستند الى القومية العربية "العلمانية" قد تلقى ضربة جدية وعلى اعتاب الهاوية، فان وصول هذه الهبة للسودان، يضع الاستبداد البرجوازي المستند الى الحركة الاسلامية في مستنقع السقوط. في سوريا، رغم ان بشار الاسد يدعي ان هذا "الداء" لايهدد سلطته، بيد حركات برجوازية اعلنت يوم 4 شباط بوصفه يوم بدء الاحتجاجات. في الجزائر التي شهدنا في الشهر ونصف الشهر الاخير احتجاجات جماهيرية، اعلن معارضوا نظام بوتفيلقة يوم 12 شباط يوم تكرار الحركة الاحتجاجية. وتبين الخطوات الاستباقية لهذه الحكومات بوضوح هلعها من تسونامي التطورات الثورية الجارية. ويمكن رؤية هذا الهلع بوضوح ايضاً على ملامح النظام الاسلامي في ايران.

 

بوسع التنامي الجغرافي لهذه التطورات ان يتخطى العالم العربي والشرق الاوسط. ان اللغة المشتركة وتشابه الانظمة الاستبدادية والتاريخ المعاصر للشرق الاوسط هي عوامل اكثر مساعدة لانتشار هذه التطورات للبلدان العربية في الشرق الاوسط، بيد ان الخصيصة المشتركة للانظمة هو استنادها الى العمل الرخيص للطبقة العاملة، اي تلك... الاكثر اساسية لامكانية اتساع نطاق هذه التطورات الى سائر مناطق العالم. على اية حال، مهما كان عليه نطاق اتساع جغرافية هذه التطورات، فان خصيصتها هو تفجر تناقضات الراسمالية العالمية في خضم ازمة اقتصادية، وعليه ستترك تاثيرات عالمية. لحد الان يمكن القول ان التحولات الثورية لبداية عام 2011 قد ختمت نهاية  ضجيج العقدين السابقين للجناح اليميني للبرجوازية حول "نهاية التاريخ" و"نهاية الشيوعية" وانتهاء عصر الثورات. كما يمكن القول ايضا الحقت تحولات عام 2011  اخر ضربة بالاستراتيجية العسكرتارية لامريكا والغرب و"حربهم على الارهاب" التي وسعت من ظل كالح على العالم خلال العقد الاخير، منذ 11 ايلول 2001.      

 

 

تعامل امريكا والغرب

 

ان اخر موقف لاوباما واصراره على البدء بالاصلاحات السياسية في مصر من الان! والاصرار الاشد لمنافسه السابق السيناتور ماككين على الموقف ذاته، هما بوصلة تعامل امريكا والغرب الراهن من اجل الحيلولة دون الاتساع المتعاظم لهذه التطورات واستفادة من امثال اخوان المسلمين من هذه الاوضاع. ان موقف اوباما وماككين الذي كان موضوع تاييد ديفيد كامرون، بان كي مون، ساركوزي، مركل، نتنياهو وتوني بلير كذلك، قد اعلن عنه بعد خطاب مبارك يوم الثلاثاء واعلانه لعدم ترشيح نفسه لانتخابات رئاسة الجمهورية في ايلول. وتطلب امريكا والغرب الان من مبارك ان يتنحى فوراً عن السلطة. وبالتضحية بمبارك، يسعون لصيانة والمحافظة على السلطة الحاكمة الحالية والنظام السياسي والاقتصادي الموالي لهما في مصر عبر اجراء بعض الاصلاحات صوب ركونهما المتزايد للنظام البرلماني والانتخابات الحرة، والحيلولة دون ان تمتد ايادي الطبقة العاملة للسلطة السياسية وهجمتها على اسس النظام الراسمالي. ان التضحية ببن علي من قبل الحكومة البرجوازية والجيش بوصفهما العمود الفقري للدولة وبالتنسيق والتعاون مع حكومات فرنسا وامريكا في الاسابيع الثلاثة المنصرمة، قد جرى هذا لتحقيق الهدف المذكور.

 

تتمثل الحقيقة بان التوسع الهائل للراسمالية العالمية واتساع هوة الثروة مابين المجتمعات الراسمالية الاكثر تقدماً والمصدرة للرساميل والمجتمعات الاقل تقدماً والمستندة الى العمالة الرخيصة، عمّق من الاحتجاجات العريضة في صفوف برجوازية هذه البلدان، ومن بينها الشرق الاوسط، وكانت خلال العقدين الاخيرين اساس تغذية وتنامي الحركات والتيارات الاسلامية المعادية للغرب. وكذلك الامر مع بلدان امريكا اللاتينية، والتي ادت الى تنامي الحركات القومية والشعبوية من امثال تشافيز ودي سيلفا. اذ تريد اقسام من برجوازية هذه المجتمعات حصة اكبر من الثروة العالمية المتراكمة من استغلال الطبقة العاملة من جهة وكذلك تطالب بحيز اكبر للتحرك السياسي. لقد وضع هذا الشق والهوة منذ سنين مسالة اصلاح الانظمة السياسية الاستبدادية الى انظمة برلمانية على جدول اعمال الغرب.

 

ان تحويل الاستبداد النظامي في امريكا اللاتينية وتركيا الى انظمة برلمانية والسعي، على سبيل المثال، الى اجراء مثل هذا السيناريو في بورما وغيرها بهدف خلق ترتيبات سياسية برجوازية اكثر ديمومة في هذه البلدان بوجه امكانيات وطاقات تفجر الثورات وتنامي حركة الطبقة العاملة المعادية للراسمالية. ان اساس طرح "الشرق الاوسط الكبير" لبوش و"الشرق الاوسط العريض" لبلير هو صلب هذه السياسة والاستراتيجية. اذا كانت هذه الطروحات مستندة الى الاستراتيجية العسكرتارية وتكتيك "تغيير الانظمة"، فمع فشل العسكرتارية الامريكية والناتو، يتم الدفع بنفس البرنامج ولكن عبر ممارسة الضغوطات السياسية من قبل الغرب.انها من جملة رسائل اوباما لمجابهة الازمة الاقتصادية وازمة زعامة امريكا وازمة التنافس مع الصين، روسيا والبرازيل و.... حول اعادة تقسيم العالم.

 

تأمل امريكا والغرب ان تدخل في مصر، على غرار تونس، هذه الاصلاحات السياسية للنظام السياسي الحاكم عبر الجيش والحكومة القائمة واقسام من المعارضة كي يخرج النظام السياسي سالماً من التطورات الثورية الجارية. هل ينجحوا في ذلك؟ انهم يتمتعون بامكانيات معينة لهذا المشروع وايقاف موجة الهبات الجماهيرية، وان نجاهم ليس امراً مستحيلاً.  بيد ان اوضاع اليوم تختلف 180 درجة عن ماقبل الدخول الجسور لجماهير عمال ومحرومي المجتمع، وهو ما جعل امكانية نجاحهم محدودة ومشروطة. سيكون محك اي تغيير او اصلاح في الانظمة السياسية الراهنة مرهونا بطبيعة مسار هذه الازمة الثورية التي  بلغت سيلاً جارفاً. لامناص للطبقة العاملة من ان تدافع بكل قواها عن مكتسبات الهبة الثورية بوجه مجمل المساعي المناهضة للثورة التي تقوم بها البرجوازية المحلية والعالمية، وتناضل من اجل توسيعها وادامتها. بيد ان شرط الانتصار هو تقوية اتحاد واقتدار صف البروليتاريا نفسها.

3 شباط 2011            

 

ترجمة: فارس محمود

 

 

 

 

فاتح شيخ

اليوم ومع سقوط حسني مبارك، أحرزت ثورة مصر نصراً مهماً وعمت كلّ مصر مظاهر من الفرحة والإحتفالات قلّ نظيرها. إن سقوط مبارك كان مطلباً مشتركاً لكافة الحركات الاجتماعية المعارضة للحكومة المصرية والذي تحول سريعاً الى مطلب وأمنية لعشرات الملايين من البشر المتعطشين للانعتاق ولحياة أفضل وزجّت الى الميدان بهذه القوة الثورية الهادرة التي لم يستطع أن يوقفها أيّ عائق. بالرغم من ان اندلاع الثورات في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، هو نتيجة لتناقضات أساسية متشابهة، بيد ان تمحور الثورة في مجتمع ما حول أي مطلب مشخص، وحدوثها في أي وقت وبأية سرعة يمكن أن تنتصر، هي مسائل غير قابلة للتنبؤ بها غالباً. هي تحدث أولاً بعدها يكون بالامكان التعرف عليها. في الثورة المصرية الجارية ومنذ الأيام الأولى أصبح مطلب اسقاط مبارك من الجماهيرية بدرجة ان الحكومة المصرية ومع كلّ إمكاناتها القمعية لم تستطع إحتواءه.

إن ثورتي تونس ومصر المتلاحقتين اللتين وفي ظرف أقل من شهرين أسقطتا رئيسين مستبدين والحقتا ضربات شديدة بجهاز الدولة البرجوازية، إنما هما على درجة عالية من الأهمية وملهمتان بالنسبة لفعالي الثورة العمالية. التقارب الزمني بين هاتين الثورتين وإمكانية انتشار رسالتيهما وتأثيراتهما على رقعة جغرافية سياسية واسعة في الشرق الأوسط تبينان انهما ليستا حدثين مجزأين بل حالتين ضمن سلسلة من الثورات التي منبعها الأزمة الرأسمالية العالمية والاحتدامات الطبقية الناتجة عنها. كلا البلدين، ضمن تقسيم العمل العالمي للرأسمالية، جزء من المجتمعات الرأسمالية المستندة على قوة العمل الرخيصة وكذا الاستبداد السياسي المكشوف بمثابة بناء فوقي متناسب مع الابقاء على رخص قوة العمل وإعادة انتاجها.

تحديداً في حالة ثورة مصر التي هي موضوع اليوم، فأن الاحتجاجات والاضرابات العمالية لربيع سنة 2008 التي أخمدت بالقمع السافر حينها وتجددت خلال الأسابيع الأخيرة إثر تقدم الثورة في تونس، هي العامل الأساسي الذي يقف خلف الثورة الراهنة. لقد نشرت صحيفة لوس انجلس تايمز في عددها بتاريخ التاسع من شباط/فبراير تقريراً معبراً ومثيراً للاهتمام حول الجذور العمالية للثورة الحالية في مصر والذي يبرز بشكل واضح أبعاد النضال المنظم للطبقة العاملة المصرية قبل اندلاع الثورة واستمراره في خضم أحداثها. بالاستناد الى هذا الأساس الطبقي، يمكن التعرف على كلٍّ من حركية تقدم الثورة والحركات الاجتماعية الفعالة فيها وأيضاً على منطق التاكتيكات البرجوازية والدولة والجيش المصريين لإعاقة مسار تقدم الثورة. صرّح البرادعي اليوم وبعد ذيوع خبر تنحي مبارك قائلاً؛ الآن وبعد أن حققنا هدفنا فانّ الخطوة التالية هي انجاز الاصلاحات السياسية وتطبيع الأوضاع لكي نتمكن من إعادة الرساميل للنشاط في مصر. إنّ حديث البرادعي لهو عصارة برنامج البرجوازية العالمية والمصرية والحكومة والجيش في مصر لاجهاض الثورة الحالية بعد التضحية بمبارك، ولتجاوز الأزمة الثورية وإعادة الطبقة العاملة تحت نير الرأسمالية العالمية لكسب أرباح طائلة عن طريق استغلال قوة العمل الرخيصة وضمان حصة أكبر من ذي قبل للبرجوازية المصرية من تلك الارباح.

الجيش يمسك مقاليد الحكم

عقد المجلس العسكري الأعلى في مصر يوم أمس (الخميس العاشر من فبراير) أجتماعاً قبل نقل صلاحيات حسني مبارك الى عمر سليمان واصدر البيان رقم واحد. كانت هذه إشارة للجماهير المنتفضة بأن تحولات سياسية سريعة قادمة وان الجيش يعدّ نفسه لمسك زمام الدولة المتضعضعة تحت ضربات الانتفاضة ولانقاذها من الثورة. بعد هذا بساعات، خضع مبارك لضغط الارادة الثورية للجماهير، حيث استسلم لتراجعه الأخير وسلّم صلاحياته لمعاونه عمر سليمان. حدث هذا التراجع إثر الاتساع غير المسبوق لمدّ الثورة خلال الأيام الماضية والحضور المقتدر للطبقة العاملة في الليلة التي سبقت التظاهرات العامة لـ "جمعة التحدي". كانت لحظة مثيرة من استمرار الثورة وصراعها مع الثورة المضادة العنيدة للبرجوازية. لم تتوقف الثورة بتاكتيك الثورة المضادة هذا، إنما تقدمت خطوة الى الأمام. ففي اللحظة التي تبعت ختام خطاب مبارك، هتفت جموع من ثلاثة ملايين حاضرة في ميدان التحرير لتهزّ أنحاء القاهرة بصيحة "إرحل! إرحل!". كانت صيحة الثورة المستمرة تلك قد استمدت قوتها من راديكالية جيل الشباب الثوري وولوج الطبقة العاملة ومحرومي المجتمع الى الميدان. كان جلياً انّ إتساع الاضرابات العمالية هو عامل حاسم في سقوط مبارك.

خلال ليلة الخميس واليوم "جمعة التحدي"، لاحظا الحكومة والجيش صعوداً أكبر في موجات الثورة وازدياداً في الضربات التي وجهتها الجماهير الثائرة لآلة الدولة القمعية. بيان المجلس العسكري الأعلى رقم اثنين عصر الجمعة تحدث عن كون المجلس أمسك بزمام الحكم من الناحية العملية ويعلنون للجماهير انهم سيضمنون تنفيذ وعود مبارك. كان من الطبيعي في هذه الظروف الثورية وبعد نصر ثورة الجماهير ضد مبارك، انّ شخصاً من صفوف الثورة لن يمنح عمر سليمان وأحمد شفيق أية أهمية ولا يثق بأمثالهما.

إن التناقض الكامن في ثورة الجميع في مصر، يظهر في اللحظة الراهنة بشكل "وحدة" الشعب والجيش. منذ الغد سيكون هذا التناقض مؤشراً لخاصية الصراعات الطبقية والسياسية حول مصير الثورة الحالية التي أحد طرفيها الطبقة العاملة والجماهير المحرومة والشبيبة وكافة دعاة الحرية وطرفها الآخر الجيش بصفته ممثلاً مؤقتاً للدفاع عن مصالح البرجوازية المصرية والعالمية وبرجوازية المنطقة في مصر ولكن في قناع المدافع عن الثورة وضامن تنفيذ مطالبها.

في ظل الظروف الحالية الجيش المصري هو المؤسسة الحكومية الوحيدة التي بامكان البرجوازية المصرية والعالمية وضع مصيرها بيده ويتمتع بتوهم الجماهير به في نفس الوقت. فكروا انه وبحكم السوابق التاريخية لهذا الجيش خلال العقود الماضية وكذلك موقفه "المحايد" في أحداث الثمانية عشر يوماً الأخيرة، فانّ "جماهير الشارع" سوف تتجاوز كون المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري الأعلى وقبل عشرة أيام فقط كان قد أدى القسم أمام مبارك كوزير للدفاع ورفع يده له للتحيةِ علامة على الطاعة العسكرية.

بهذا الشكل وفي الساعة السادسة مساء هذا اليوم بدأ استعراض جديد لانقاذ النظام بالاعلان الرسمي عن تنحي مبارك وطلبه من المجلس العسكري الأعلى أخذ زمام الأمور. تحول ميدان التحرير الى ساحة للرقص والتعبير عن الفرح من قبل الملايين من الجماهير الثائرة وتقلد الجيش رسمياً دور مؤسسةٍ تتمتع بثقة الجماهير في ظروف الأزمة.

بالإضافة الى سيادة الأوهام القومية الواسعة النطاق على الثورة الراهنة في مصر، فانّ مبارك والحكومة البرجوازية المصرية ولأجل إعاقة الثورة وحفظ نظامهم، يتوسلون بوهمٍ أقوى ألا وهو توهم الجماهير بالجيش بهيئة أرفع رمز للنزعة القومية العربية – المصرية والوارث الفعلي لعبدالناصر. طوال العقود الستة الماضية ومنذ انقلاب نجيب وجمال عبدالناصر عام 1952 وحتى الآن، كانت كلّ القيادات الرئيسية للحكومة المصرية من جنرالات الجيش. ليس من المبالغة بشيء إذا قلنا انّ الجيش في مصر شكلّ العمود الفقري للدولة البرجوازية أكثر من أيّ بلد آخر. في التاريخ المعاصر لمصر تمّ إدغام الدولة والجيش ببعضهما. شعور الجماهير الثائرة بالانتصار برحيل مبارك يمكن أن يعيقها من التقدم أكثر ويحول بينها وبين إدامة ثورتها من أجل نيل مكاسب أكبر. إنّ تدخل الجيش في الساحة السياسية المصرية يمكن أن يختصر شعار "الشعب يريد اسقاط النظام"، الذي كان الشعار الأساسي للثورة خلال الثمانية عشر يوماً، يختصره الى سقوط مبارك ويطلق صافرة نهاية المباراة. وهذا هو أكبر المخاطر التي تواجه إدامة الثورة عقب تنحي مبارك.

الثورة مستمرة

مع كلّ ماتقدم فإنّ الثورة مستمرة لأن الطبقة العاملة ولجت ميدان النضال بقدرات ومعنويات غير مسبوقة. من الآن فصاعداً يقع على عاتق هذه الحركة دور القوة الأكثر أساسية للوقوف خلف حركة الثورة. صحيفة الاهرام وبنشرها في عدد يوم أمس تقريراً مطولاً عن الاحتجاجات والاضرابات العمالية الواسعة والناجحة، أوضحت انّ اصحاب العمل في القطاعين الخاص والحكومي قد نفذوا كافة مطالب العمال تقريباً تحت ضغط تلك الاضرابات. إنّه تاكتيك معروف لتراجع الطبقة البرجوازية ودولتها في المراحل الثورية، عبر التظاهر بالسخاء في مماشاة مطالب العمال، لكي تتمكن من منع العمال عن إدامة ثورتهم وإعادتهم الى العمل تحت نير الاستثمار.

إن المواجهات الطبقية الصريحة بين الطبقة العاملة الثورية من جهة والبرجوازية والجيش المضاد للثورة والاحزاب البرجوازية القومية والاسلامية من جهة أخرى ستشتدّ وتشهد تصاعداً مجدداً من بعد تنحي مبارك. تحدي القادة والنشطاء العماليين، وخصوصاً العمال الشيوعيين في مصر الثورية من أجل توحيد وتنظيم صفوفهم في النضالات الجارية سواء الاقتصادية أو السياسية، تقوية صفهم المستقل وأفقهم وبديلهم المستقلين وبناء حزبهم الشيوعي لهي أهم ميادين نضال الطبقة العاملة في المرحلة القادمة وأفضل الضمانات لإدامة الثورة في مسار الثورة العمالية.

11 فبراير/شباط 2011

 

 

فارس محمود

"الحرب متوقعة في اي وقت ويجب الاستعداد لها".. ان هذا ماصرح به  المستشار الطنطاوي، رئيس المجلس العسكري في مصر، يوم امس اثناء حضوره لتدريب للجيش الثاني على عبور قناة السويس. فيما اشار قائد الجيش الثالث بدوره الى"أن التمرين بمثابة رسالة طمأنينة إلى الشعب المصري تثبت أن جيش مصر قادر على المحافظة على أمن مصر واستقرارها وحماية حدودها في آن واحد".(!!)

انه عمل دون اي سابق انذار، ودون مبرر حقيقي وواقعي مفهوم، ودون اي ضرورة عملية واقعية تذكر، وقصدي ضرورة "حربية" و"قتالية" بالمعنى الخاص للكلمة، في الوقت ذاته ليس ثمة "عدو" او "عدوان" يلوح في الافق حتى يرى المرء ذرة من مبرر لهذه العملية الحربية والقتالية. بيد ان الطنطاوي والمجلس العسكري لايعيشا في خيالهما، انهما يعرفا ماذا ينشدان. اذ يدركان وضعهما ويدركا المخاطر الواقعية التي تحدق بهم وبكل السلطة الحاكمة في مصر. ولهذا لابد لهم من ان يستلوا اي سلاح في جعبتهم، حتى ولو كان سيفاً خشبياً طالما ان اسلحة اكثر "صدامية" لم تنفع للجم عمال مصر ودعاة التحرر والمساواة واعادتهم الى بيوتهم.

طالما ليس ثمة عدو خارجي مرتقب، ما مبرر هذه الخطوة وماهي الاهداف الحقيقية التي يتوخاها الطنطاوي ومجلسه العسكري. ان مايهدف له الطنطاوي هو حرف انظار جماهير مصر عن ثورتها وعن اهدافها، انه يسعى لحرف انظارها لعدو خارجي "متربص بشعب مصر وامن مصر"(!!). ان هذه هي الحكمة الداخلية لاغلبية الحروب والدعاية الحربية وقرع طبول الحرب. اي للاستهلاك المحلي، لصرف الانظار عن امور اكثر حقيقية وواقعية ضاغطة، حرف انظار الملايين الذين لم ينتزعوا حقهم بعد رغم رحيل مبارك. ملايين العمال، الفلاحين، الشباب، النساء لم ينالوا مبتغاهم من الثورة التي قاموا بها بعد. لازالت مطاليبهم دون رد. انه يسعى لحرف انظار عمال مصر وتحرريه عن حربهم الاكثر واقعية والاكثر حياتية، حرب جماهير مصر من اجل الحرية والرفاه، من اجل انهاء الاستغلال واوضاع الفقر المدقع والعوز. بيد ان هذا السلاح الذي يسعى لتوظيف المشاعر والاحاسيس القومية والوطنية هو قديم وصدىء الى ابعد الحدود.

ليس ثمة حرب اكثر عدالة من هذه الحرب التي تشن اليوم في مصر من اجل ادامة الثورة حتى تحقيق امال وتطلعات الانسان. ليس ثمة حرب تستوجب حشد القوى وبذل الغالي والنفيس من قبل عمال مصر وتحرريه بقدر حرب الدفع بالثورة صوب اهداف الحرية والمساواة، واول خطوة لذلك هو انهاء عمر قوى الثورة المضادة، قوى وأد الثورة وفي مقدمتهم الطنطاوي ومجلسه العسكري والسلفيين والاخوان، قوى ليست لها سوى اجندة مباركية بدرجة تقل او تزيد قليلاً.

ان كان سلاح القمع والاستبداد هو احد عتلات بقاء نظام الراسمال وعبودية العمل الماجور، فان عتلة اخرى لاتقل اهمية عنها الا وهي  سلاح الديماغوجية، سلاح رمي الجماهير في تيه وحرفهم عن اهدافهم وامالهم الحقيقية والواقعية، وبالتالي جرهم للانقياد خلف اجندة ودعايات ومشاريع الطبقات الحاكمة واغراضها . ان سلاح "العدو الخارجي"! هو احد اساليب الديماغوجية المذكورة.

 بيد ان "العدو في البيت"، عدونا ممثل طبقة معينة، طبقة الراسمال والراسماليين، طبقة لا هدف لها سوى تعاظم ارباحها على حساب كدح وجوع الاغلبية الساحقة، طبقة مبارك والمباركيون السابقون والحاليون، طبقة الفساد والفاسدين وسراق قوت الجماهير، بجيشها وشرطتها وووزارات اعلامها وصحفييها الماجورين والمتملقين وازهرها وسائر مؤسسات التخدير والتبليه الديني.

ان توقيت هذا التصريح ياتي بعد ايام قليلة من انفضاح موقف الجيش ودور الجيش الحقيقي والواقعي والذي بين عن نفسه باجلى الاشكال في احداث ماسبيرو. ان تصريح الطنطاوي هو من اجل رد الماء لوجه هذه المؤسسة القمعية التي يسعوون لتصويرها انها مؤسسة "شعب مصر".

ان الجيش هو احد الاجهزة الاساسية للقمع بيد الطبقة الحاكمة. انه جهاز قمعي بكل ماللكلمة معنى  ضد كل من يعكر صفو الطبقة الحاكمة وفسادها وارهابها، وفي مقدمة ذلك ارباحها وثرائها ونهبها. ان مهمته هي السهر على صفو اوضاع ربح الطبقة الحاكمة. ولهذا لاينبع من فراغ حين يقول قائد لينين ان "حرب الجيش في الجبهة الداخلية هو اكثر بمئات المرات من حربه على الحدود"! 

يسعون من هذا التصوير ان يبينوا ان "الجيش والشعب في خندق واحد" يتمترسون امام "عدو خارجي". ينبغي ان يزاح وللابد وهم ان "الجيش يد بيد مع الشعب". ان اكثر من 7 اشهر من حكم الطنطاوي ومجلسه العسكري بين اكثر من الف نظرية وبحث وجدل المحتوى الواقعي والاهداف والاجندة الحقيقية للجيش.

ان وقف الجيش في الايام الاولى من اندلاع نار الثورة "على الحياد"، فذلك لايعود لكونه"محايداً"، لانه وقف "على الحياد" في انتفاضة جماهير مصر من اجل الاطاحة بمبارك، بل ان كل ما في الامر هو اتخاذه لتكتيك معين ومدروس، لا اكثر. ان الطبقة البرجوازية هي طبقة مجربة، حنكتها الصراعات والانتفاضات الجماهيرية وغيرها.

 رات مؤسسة الجيش ان ليس بوسعها ان تضع "بيضاتها في سلة مبارك"، سلة من الوارد ان تعصف بها رياح الثورة بشدة، وهو ماحصل فعلاً، ان ليس من الحكمة ان تقوم بذلك، وتحرق اوراقها مع مبارك، ولهذا وقفت "موقف الحياد" حتى تستطيع في يوم اخر ليس ببعيد ان تقوم بشيء ما، ولهذا حين انسدت الابواب امام مبارك ونظامه، اعاد السلطة للجيش وليس لنائبه عمر سليمان (!!) حتى يؤمن انتقال "سلمي" للسلطة، ويعيد الجماهير لبيتها ويبقي على دورة عجلة الراسمال هادئة وانسيابية باكثر مايمكن، ويعود للبلد "استقرار"ه (!!) الذي لايعني سوى اعادة الجماهير المنتفضة لبيوتها ويطوون صفحة ثورة جماهير مصر، لتبقى الاجور على حالها وفي احسن الاحوال مع زيادة بسيطة، ومنح قليل من حرية الراي والتعبير وتاسيس الاحزاب وانتخابات ذات قاعدة اوسع، بمشاركة احزاب اخرى حرمت سابقاً من كعكة السلطة والثروة. ان ماقام به الجيش هو شكل من اشكال الانقلاب اكثر زخرفة ومبطنة واقل سفوراً. 

انه لامر معلوم للجميع ان العالم يمر باضطرابات قل نظيرها اليوم، بيد انها ليست من الصنف الذي تحدث عنه الطنطاوي وامثاله. انها "اضطرابات" الهبة العالمية بوجه الراسمالية العالمية ومافرضته من جوع وفقر وبطالة، ولماقامت به من هدر للكرامة الانسانية. صفوف مليونية تجتاح الشوارع والساحات، تعلن الاحتلال تلو الاحتلال، من احتلال ساحة التحرير في مصر وساحات التحرير في اليونان واسبانيا والبرتغال وايطاليا وصولاً الى احتلال الوول ستريت وكندا وملبورن و مئات المدن في اصقاع العالم المختلفة. تظاهرات وانتفاضات واحتلالات استلهمت من جماهير مصر وعمال مصر وتحرريها.

 ومع اندلاعها في مئات المدن الامريكية والاوربية والعالمية، وبالاخص الصناعية والمتقدمة منها، وتصاعد الهجمة المناهضة للراسمالية بابعاد عالمية قل نظيرها، يوضع المجلس العسكري وطنطاوي مرة اخرى تحت ضغط جديد: ضغط الزخم العالمي الذي تمده الانتفاضات العمالية العالمية لعمال مصر وتحرري مصر. وهو مايرعب الطبقات الحاكمة فعلاً، وهو مايدفع طنطاوي لديماغوجية موغلة في التفاهة ودلالة واضحة على انعدام الحيلة.

ليس الطنطاوي سوى مبارك اخر، في توازن قوى اخر. وعلى جماهير مصر ان تطيح به وبمجلسه فورا دون ابطاء وتحشد القوى لذلك الهدف. ان مايجب ان تستعد له جماهير مصر وفي مقدمتها الطبقة العاملة لا "الحرب المتوقعة" التي يتحدث عنها الطنطاوي، بل الحرب الجارية في مصر اليوم، حرب معسكري الرفاه والتحرر والثورة ومعسكر قوى الثورة المضادة بكل مصائبة وويلاته وسجله المظلم.